تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

صيفنا الحار بين رهانات “محترف المصارعة” ترامب و”لاعب الجيدو” بوتين

المعادلة العالمية المنزاحة عن قطبيتها الوحيدة الأميركية، إلى حالة استيعابية وترويضية للصاعد الروسي الجديد، باتت اليوم، بعد لقاء القدس الأمني، وهامش لقاء اليابان لقمة الدول العشرين بين بوتين وترامب، باتت وكأنها تدشن لعصر جديد للعالم، ضمن سياق العولمة ذاتها!

محترف رهانات المصارعة الحرة المخضرم ماليًا وبراغماتيا، التي أفضت إلى سياسيات الفجاجة الأميركية، ترامب، الذي يخوض رهانات سياسية متعددة الأبعاد، غرضها الأوضح معادلة الكسب العالمي والابتزاز المالي بلا خسارة، في مقابل لاعب الجيدو الروسي، بوتين، القيصر الحالم بمجد عالمي وموقع روسي متقدم في العالم، بعد خسارة الاتحاد السوفيتي السابق له؛ ترامب وبوتين لا يمكنهما أن يقودا معادلة الصراع العالمي إلى حافة الهاوية، وذلك لتوازن الرعب العالمي النووي، لكن كليهما يقود منطقة الشرق الأوسط إلى حافة الهاوية: الأول برهاناته السياسية الخطرة التي بات حتى كبار المستشارين الأميركيين يحذرون من رهاناته الضخمة الخطرة، والآخر بدخوله حلبة الصراع بكل عنجهية التفوق العسكري وسياسة حكم الأمر الواقع، خاصة في سورية!

ترامب وبوتين يتقنان فن المراوغة والوصول إلى الأهداف بكل الطرق المتاحة وغيرها، سياسيًا وعسكريًا وأمنيًا، واستخدام اللاعبين الاحتياط، ومنهم إيران! إيران التي استخدمها الأميركان في حرب العراق أولًا، وغض الطرف عن دخولها الميليشوي في سورية وتمددها في اليمن، واستبقائها فزاعة ابتزاز دائم لدول الخليج! وإيران ذاتها هي الذراع البرية الميليشوية التي أتقن الاستفادة منها الروس في معادلة الإحكام والهيمنة في الأرض السورية بريًا، إضافة إلى استخدامها السياسي في معادلة التقارب الآسيوي الأوروبي عبر تركيا، في اتفاقات أستانا المسماة زورًا “خض التصعيد” تنفيذًا لمعادلاتها الجيوبولتيكية! إيران اليوم يبدو أن دورها التمددي في المنطقة قد آن الأوان لإيقافه عند حد، وكلا اللاعبين المحترفين لا يريد صدامًا مباشرًا معها، أضف إلى ذلك أن الأوروبيين لا يريدون حربًا جديدة بملامح عالمية، ودول الخليج تخشى على أمنها في الخليج العربي، ومع هذا يجب انكفاء إيران وتقليص خطرها، لا للاكتفاء من دورها كلاعب احتياط، بل تنفيذًا لسياسة نقطة الوصل بين هذا وذاك المتموضعة في “إسرائيل”، بعد أن أدت إيران دورها التفتيتي لدول الجوار، وإجهاض مقومات الربيع العربي والدولة الوطنية، بدءًا من سورية، فكان لقاء القدس الأمني! ما يجعل المعادلة المرجحة في هذا الانكفاء تبدأ من سورية، وسورية إلى اليوم ما زالت عقدة ومرتكز الحدث العالمي.

إيران تدرك جيدًا أهمية اللعب على حبال السياسة الممكنة، والسعي لتمرير نفوذها عبر معادلات التوازن العالمي، مستفيدة من كل الامتيازات المتاحة لها من إحدى قوّتي العالم مقابل تنفيذها لسياستها؛ إلا أنها، منذ شروط بومبيو الاثنتي عشر، وزير خارجية أميركا الأسبق، تدرك أنها تخسر موقعها المؤجر للأميركان منذ التسعينيات، كما أن الروس باتوا يرغبون في الاستغناء عن خدماتها “الجليلة” لهم في سورية للاستفراد بها، ويتضح هذا في تنسيقهم الأمني مع “إسرائيل” بضرب المواقع الإيرانية في الجنوب السوري جويًا، مع إلحاح على ضرورة إخراجها من سورية، باتفاق روسي أميركي برعاية إسرائيلية. إيران تخشى تحول هذه التفاهمات إلى سيناريو ما يشبه مجريات العراق منذ 1991 حتى 2003، من حرب جزئية ثم حصار طويل الأمد، وصولًا إلى حرب كلية، خاصة أن ثمة شبه اتفاق معلن على الاستغناء عن دورها بالمنطقة تدريجيًا. أمام هذه التداعيات تسعى إيران، بكل دهاء السياسة وشروط اللعب على حافية الهاوية، لابتزاز الجميع في مصالحهم خاصة المصالح الأوروبية وأمن الخليج، وغرضها الأساس تجنب مفردات الحرب التدريجية أو الشاملة، والوصول إلى التفاوض السياسي مجددًا، كما فعلت مع أوباما سابقًا في الملف النووي الإيراني.

إيران تدرك أن العمل السياسي يجب أن يرافقه فعل تقني وعسكري محدود، يحقق معادلتي التلويح بالشدة والقدرة وصعوبة الرقم العسكري، وتهديد المصالح الاقتصادية العالمية نفطيًا، بحيث يبدو حل المشكلة بطريقة تفاوضية سياسية؛ فليست المرة الأولى التي تسعى فيها لاستفزاز الجانب الأميركي وجس نبضه في التعامل معها، تلك التي بدأت مع استهدافها مرات للموانئ الإماراتية والسعودية وناقلتي النفط، الشهر الماضي، وصولًا إلى إسقاط طائرة درون الأميركية في المياه الإقليمية الخليجية، الخميس الماضي. حيث ذهبت التحليلات والتوقعات السياسية إلى التحذير من خطر نشوب حرب عارمة في منطقة الخليج تهدد أمن المنطقة! ما جعل دول الخليج، عبر أكثر من مسؤول فيها، تصرّح بأنها لا تريد حربًا مع إيران، وبوتين يحذر من خطر هكذا عمل عسكري، والأوروبيون ضالعون في تهدئة الأجواء، يترافق هذا مع ما قيل عنه أن ترامب أوقف الضربة العسكرية المقررة لأهداف نوعية إيرانية، قبل عشر دقائق من تنفيذها! ما أثار موجة من السخرية والتحليلات المتباينة!

قمة القدس الثلاثية لم تخرج عن سياق الترتيب الأمني للمنطقة برمتها، وفق خطوط تبدو مخفية إلى اليوم، لكنها ستفصح عن نفسها بفعل مجريات الواقع يومًا وراء يوم، وسيبدأ العمل بها بعد لقاء ترامب وبوتين في اليابان، كما كان لقاؤهما في هلسنكي الصيف الفائت، ما يعني بالضرورة بداية ترسيخ التفاهمات الثلاثية هذه بشكل واقعي؛ وحيث إنه من غير الممكن استبيان الشكل الأوضح لآلية تصفية الملفات العالقة في المنطقة: فلسطين وحل الدولتين، سورية وملف الانتقال السياسي، الوجود الإيراني، ملفات الإرهاب، استقرار المنطقة الشرق أوسطية، وآلية تقاسم النفوذ السياسي والعسكري والاقتصادي المعنون بالجيوبولتيكي، فهل سيتم الاستغناء كلية عن الدور الإيراني في المنطقة، وما هي آلية تنفيذه؟

كل التوقعات السياسية اليوم تذهب إلى ترجيح أن الصيف الحالي حار وحام جدا، والترتيبات قائمة على قدم وساق في هذا، والمسمّى المطروح “صفقة القرن” آخذ بالتنفيذ، وكما أن هذه التوقعات قد تصدق وتقرع طبول حرب حامية جدًا أيضًا، يمكنها أن تخبو وتصبح محدودة جدًا، كما يمكنها أن تصبح سياسية وحسب، وقد تتداخل كلها مع بعض، وهذا ليس عيبًا في التحليل السياسي وعجزه عن ترجيح كفة خلاف غيرها، بل بسبب طبيعة هذه الاتفاقات الأمنية شديدة السرية من جهة، ومن طبيعة التفارق كما الاتفاق بين مقامر مخضرم في حلبات المال وصراعه على حساب الجميع، وآخر تصل نرجسيته إلى درجة الشعور بالتفوق لمصاف القياصرة والأباطرة وسياسة بطش القوة، تجعل كل الاحتمالات ممكنة وغير ممكنة في الوقت ذاته، سوى احتمال واحد ويقيني مفاده: أنه أيًا كانت مخرجات صفقة القرن هذه، فإنها لم تكن لا مؤامرة ولا مقامرة، وهي ليست سوى نتيجة طبيعية لحالة الموت السريري لهذه الأمة المسمّاة عربًا، لإنها أرادت -عن سبق إصرار وتعمد- هدر وقتل كل طاقتها الشبابية وإمكاناتها الحرة والإبداعية، للحريات والحقوق والقانونية والدستورية وبالتقسيط، وارتهان حكامها لقوى العالم المتفوقة، وإجهاضها كل مقومات الدولة الوطنية، لتصبح حالة بزار دائم واستخدام دائم، والشعب هو ساحة الصراع والضحية الأكبر، وتبقى المعادلة السورية نقطة الارتكاز الأساس في المعادلة العالمية، ومنها وفيها ستتضح الصورة الدولية القادمة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق