سلايدرقضايا المجتمع

اللاجئون السوريون.. المساعي الروسية في مهبّ الريح

لم تتوقف روسيا عن دعوة أوروبا والولايات المتحدة إلى مساعدة سورية من أجل إعادة الإعمار، بغية إعادة اللاجئين والنازحين، وطالبت مرارًا برفع العقوبات المفروضة على النظام السوري، لتسهيل تحقيق هذا الهدف، وحاولت أن تُشيع بين الدول الأوروبية ودول الجوار أن الأوضاع باتت مستقرة والأمن مستتب، ودعت اللاجئين السوريين إلى العودة للعيش من دون خوف، لكنها ما تزال ترفض ربط عملية عودة اللاجئين أو إعادة الإعمار، بالانتقال السياسي، وقد أشار إلى ذلك أكثر من مسؤول روسي رفيع المستوى، منهم مساعد المندوب الروسي لدى الأمم المتحدة، ديميتري بوليانسكي، الذي شدد على أن الدول “يجب ألا تربط المساعدة بمطالبها بإجراء تغييرات سياسية في نظام الرئيس السوري بشار الأسد”، هذا النظام الذي يُعاني من نقص كارثي في القدرات المالية لا يفسح له المجال بالتفكير بإعادة الإعمار، التي تُقدّرها بعض الأوساط بنحو 300 مليار دولار، فضلًا عن أنه يعاني من نقص في الكوادر البشرية التي هاجرت أو نزحت من سورية، ويُقدّر عددها بأكثر من نصف الشعب السوري.

وصل عدد المُهجّرين واللاجئين السوريين إلى ما يقارب 13 مليون سوري، أي ما يعادل 60 بالمئة من السكان، نزح نصفهم في الداخل ونصفهم الآخر إلى الخارج، والنازحون عموماً في الداخل هم من الفئات الشعبية الأكثر فقرًا، هربوا خوفًا من الحرب أو بسبب تدمير بيوتهم وقراهم وبلداتهم، فيما كانت أهم أسباب الهجرة إلى الخارج الهروب من المعارك، أو الهروب من الخدمة العسكرية، أو الانشقاق، أو الهروب من الأجهزة الأمنية والاعتقال التعسفي، وأحيانًا هربًا من بعض الجماعات الإسلامية المتطرفة.

يقيم في تركيا نحو 3.4 مليون سوري، وفي لبنان أقل من مليون، وفي الأردن حوالي 1.5 مليون، وفي مصر نحو 230 ألف، والسودان 100 ألف، وفي العراق 250 ألف، وحوالي 26 ألف في بلدان شمال إفريقيا العربية، أما في أوروبا، فيوجد في ألمانيا أكثر من نصف مليون، وفي السويد أكثر من مائة ألف، وفي النمسا 50 ألف.

باءت كل الجهود الروسية بالفشل حتى اليوم، فلم يعد إلى سورية المهاجرون أو اللاجئون، فاللاجئ السوري يرفض العودة إلى سورية لعدة أسباب، ويُطالب بمعايير، على رأسها توفر الأمن والاستقرار وسيادة القانون والحق، بعيدًا من المحسوبية والفساد والقمع الذي عرفته سورية خلال العقود الماضية، ويطالب بعدالة انتقالية، أو على الأقل بجبر المكسور، كما يشدد على ضرورة وجود مؤسسات عصرية تعمل على بناء مجتمع العدالة والحرية والكرامة الإنسانية، وتطالب شريحة كبيرة من اللاجئين بإلغاء الأفرع الأمنية وتحجيم وتقنين وتحديد صلاحيات السلطات الأمنية.

لا يمكن إغفال أن جلّ اللاجئين السوريين مطلوبون للأفرع الأمنية بذرائع مختلفة، تتدرج من المشاركة بالتظاهرات والكتابة على مواقع التواصل الإلكتروني، وصولًا إلى المشاركة بالأعمال المسلحة أو “الإرهابية” كما يصفها النظام السوري، أما شريحة المعارضين للنظام السوري فهي تشترط أن يكون هناك حل سياسي قائم على المواطنة ودولة القانون يضمن تحقيق كل ما سبق.

بيّنت دراسات واستطلاعات رأي أن الأكثرية الساحقة من اللاجئين، باستثناء لاجئي المخيمات في لبنان والأردن وبعض اللاجئين في تركيا، يحاولون الاستقرار في بلدان اللجوء ولا ينوون العودة إلى سورية، لأنهم يئسوا من إمكانية حصول تغيير سياسي أو تحجيم للسلطات الأمنية، ويرون أن الحرب في بلدهم وتداعياتها ستستمر لعقد مقبل، وبالتالي فإن من الأفضل لهم العيش في وطن جديد.

تختلف معاناة اللاجئين السوريين وقدرتهم على التكيّف من بلد إلى آخر، وترتبط بثقافة البلد ومدى تعقيد أو تيسير الإجراءات العملية لاستيعاب اللاجئ وتوفير الأمان له، وفي المقابل يعاني كثير منهم من التمييز العنصري والتمييز الديني المرتبط برفض الرموز الدينية الإسلامية، ومنها الحجاب، ويواجهون صعوبات متعلقة بالإجراءات البيروقراطية وتعلّم اللغة والرعاية الصحية، وتبذل السلطات والمنظمات الأهلية والمدنية جهودًا كبيرة لمساعدتهم وتأهيلهم.

في قمة هلسنكي التي عُقدت بين الرئيسين الأميركي والروسي في تموز/ يوليو 2018، أعلن الروس عن خطة (ارتجالية) لإعادة 1.7 مليون لاجئ سوري إلى سورية، ووعدوا بتوفير مراكز لاستقبالهم وتقديم المساعدات لهم وحمايتهم من ملاحقة السلطات الأمنية السورية، وطلبوا من الولايات المتحدة وأوروبا التعاون في هذا المجال، لكن هاتين الجهتين سارعتا إلى رفض الدعوة الروسية وربطتا عودة اللاجئين بإنجاز الحل السياسي وليس استباقًا له، وهو ما يرفض الروس مناقشته أساسًا.

تأثّر الأردن ولبنان بالدعوة الروسية، وبالضغوط أيضًا، وصار المسؤولون اللبنانيون، والأردنيون بشكل أقل، يُضيّقون على اللاجئين السوريين المقيمين في هذين البلدين، واستعملوا أسلوب العصا والجزرة، كما أعلنت السلطات السورية عن ترحيبها بعودة اللاجئين وبخاصة من الأردن إلى جنوب سورية، وقدّمت لهم إغراءات بتوفير المساعدة والسكن المؤقت، لكن أحدًا من السوريين لم يعد على الرغم من الظروف المعيشية السيئة للغاية التي يعيشون فيها في هذين البلدين، تلك الضغوط الروسية قد تنفع مع لبنان والأردن جزئياً لكنها بالتأكيد لن تنفع مع أوروبا ولن تدفع الولايات المتحدة لتغيير رأيها بفصل الحل السياسي عن قضية عودة اللاجئين.

لا تريد روسيا حلًا سياسيًا يؤثر على النظام الحاكم في سورية، وأقصى ما تطرح أن تجري عملية إصلاح وتعديلات على النظام الحالي، وتُجري مصالحات، وتُعاد هيكلة الأجهزة الأمنية شكليًا وليس جوهرياً، وتأمل عبر هذا الحل أن تُحلّ المشاكل الجوهرية التي نتجت عن سبع سنوات حرب في سورية، وعلى رأسها عودة اللاجئين وإعادة الإعمار، وتتناسى أن النظام السوري تسبب في قتل مليون سوري في حرب لم يكن هدفها سوى الحفاظ على السلطة والكرسي.

من الصعب الاقتناع بقبول عودة 13 مليون سوري إلى بلدهم من دون أن تتأمّن لهم الحماية الكافية المنصوص عنها في اتفاقية اللاجئين الأممية للعام 1951، حتى المفوضية العليا لشؤون اللاجئين أعلنت أنها “لا تشجّع على عودة اللاجئين الآن”، لكنها لن تقف بوجه من يريد العودة الطوعية، سواء أفرادًا كانوا أم جماعات”.

من الواضح أن السوريين لن يعودوا إلى بلدهم؛ ما لم تنتهِ بيئة القمع والحرب، ويتوفر الأمان السياسي والاجتماعي والغذائي، ويزول القمع الذي تُمارسه الأجهزة الأمنية، ويبدأ حل سياسي ديمقراطي يضمن حقوقهم وحمايتهم، بقرارات دولية حاسمة تلزم كل الأطراف، وهذا ما لا يمكن أن توفره روسيا ولا مؤتمراتها ولا مساعيها، ويبقى الأمر رهنًا بالتوافق الدولي الشامل الذي يمكن له وحده أن يضمن هذه البيئة الجاذبة للاجئ السوري.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق