ترجماتسلايدر

تصفية النفوذ الأميركي في شمال شرق سورية

استثمرت الولايات المتحدة ما يقرب من 5 سنوات وعشرات المليارات من الدولارات في شمال شرق سورية، لإنهاء “الخلافة” الإرهابية لما يسمى الدولة الإسلامية (داعش). تستمر المعركة ضد الآلاف من عملاء داعش بوجه عام، ولكن إلى متى؟

في حالة إعلان الولايات المتحدة النصر الآن، وتسليم الأرض المحررة من داعش -ثلث مساحة سورية التي تحتوي على معظم النفط في البلاد- إلى نظام الأسد الذي ساعدت سياساته وممارساته في زرع داعش والإرهابيين متعددي الجنسيات في سورية في البداية، إذا كان الأمر كذلك، فما هي مسؤولية واشنطن تجاه السوريين الذين شاركوا القوات العسكرية الأميركية في المعركة ضد داعش؟ وما هي آثار الخروج الأميركي على الأصدقاء والحلفاء الإقليميين؟

قبل أسبوع واحد من عيد الميلاد الماضي، غرّد الرئيس ترامب معبرًا عن رغبته في الانسحاب من سورية بسرعة. منذ ذلك الحين، حاولت الإدارة -بالتأكيد مع وجود ضوء أخضر رئاسي- تعديل تلك الرسالة. لكن النية النهائية للقائد الأعلى للقوات الأميركية في سورية لم يتم التعبير عنها حتى الآن.

في أعقاب تلك التغريدة، أصيبت “القوات الشريكة” الكردية التي تعمل مع الجيش الأميركي منذ أواخر عام 2014، بالذعر وبدأت البحث (من دون جدوى ومن خلال روسيا) عن صفقة مع نظام الأسد. طرح الحلفاء الذين جنّدهم المسؤولون الأميركيون، للمساعدة في تحقيق الاستقرار في شمال شرق سورية، أسئلة (شكوكًا) حول التزام الولايات المتحدة بجهد طويل الأجل.

في الواقع، قد يعود الرئيس الأميركي إمّا بدافع الضرورة الملحة عن رسالته في كانون الأول/ ديسمبر 2018 أو ببساطة يسمح للقوات الأميركية في شمال شرق سورية بالتخفيض تدريجيًا وصولًا إلى الصفر، مما يفتح المناطق المحررة لعودة لأسد وحلفائه (إيران وروسيا) وربما لعودة تنظيم داعش.

قد يكون العجز هو السياسة الافتراضية. ومع ذلك، يمكن للرئيس ترامب، إذا رغب في ذلك، اختيار مسار مختلف وأن يشرح للأميركيين أهمية الالتزام طويل الأجل في سورية.

يمكن أن يشير الرئيس إلى أن النصر الذي تحقق بشق الأنفس على داعش سوف يتراجع بسرعة، إذا افتقدت الأراضي المحررة الحكم القانوني والفعال. ويمكن أن يحذر من أن الأسد وحلفاءه الإيرانيين قد يوظفون، لأغراضهم الخاصة، بعض إرهابيي داعش في الوقت الراهن. كلاهما له تاريخ في توظيف المتطرفين الإسلاميين. قد يجد هؤلاء الذين لم يتم توظيفهم دعمًا شعبيًا كبيرًا لمقاومة مسلحة لعودة نظام واقع تحت سيطرة إيران.

يمكنه أن يجادل بشكل مبرر بأن تسليم المنطقة إلى الأسد من شأنه أن يحرم السوريين -العرب والأكراد وغيرهم- من فرصة لخلق بديل سياسي لإرهاب دولة الأسد في شمال شرق سورية: حكومة قائمة على موافقة المحكومين وسيادة القانون بدلًا من الرعب والتعذيب.. يمكن أن تشكل مثل هذه الحكومة أحد الأطراف في محادثات السلام السورية التي ترعاها الأمم المتحدة.

يمكنه أن يعلن ما هو واضح: أن حكم الأسد في سورية يزعزع استقرار المنطقة ويوفر الأرضية المناسبة لتجنيد الإرهابيين الإسلاميين في جميع أنحاء العالم.

يمكن أن يُلزم الولايات المتحدة (بمساعدة كبيرة من الحلفاء) ليس بتغيير النظام العنيف، ولكن لمساعدة السوريين، في جزء واحد من البلاد على بناء بديل لنظام ينهب الجزء الآخر. يمكنه أن يمهد الطريق لمحادثات سلام حقيقية في سورية.

الرئيس ترامب، حتى الآن، لم يقل أي شيء من هذه الأشياء. إن رغبة الولايات المتحدة في إكمال هزيمة داعش في شمال شرق سورية، وإعلان النصر من خلال السماح للسكان المحليين بإنشاء بديل حكومي للأسد، لا يزال موضع شك. الرئيس ترامب، على حد علمنا، ربما يكون قد أبطأ فقط -ولم يوقف- فكرة الانسحاب التي أعلنها في كانون الأول/ ديسمبر الماضي.

إذا اختارت الإدارة بالفعل إخلاء شمال شرق سورية، فمن المؤكد أن هناك مسؤولية عليها في أن تحاول التقليل إلى الحد الأدنى من الأخطار على أولئك السوريين الذين قادوا، منذ ما يقرب من خمس سنوات، الحملة القتالية البرية ضد داعش. تنبع الأخطار من مصدرين: تركيا ونظام الأسد.

قيّمت أنقرة بشكل صحيح أن قوات سوريا الديمقراطية المناهضة لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) يسيطر عليها الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني الإرهابي. على الرغم من أن تركيا لا تزال تعارض نظام الأسد بحزم، إلا أنها تفضل تجدد سيطرة الأسد على أكراد سورية على إقامة دويلة حزب العمال الكردستاني في شمال شرق سورية.

تواجه الولايات المتحدة في الوقت الحالي تحديين متصلين بالأكراد في سورية: التفاوض مع تركيا حول “منطقة آمنة” بعمق عشرين ميلًا داخل سورية على طول الحدود التركية، وتقليل النفوذ السياسي الكردي على القطاعات ذات الغالبية العربية في الشمال الشرقي المحررة. سيتم تصفية هذه الجهود من خلال طريق الانسحاب الأميركي: قرار سيقلل من قدرة واشنطن على التوسط بين تركيا حليفة الناتو والأكراد السوريين، ويزيد من احتمال تمرد داعش مستفيدة من التوتر العربي الكردي في الأراضي المحررة.

إن نظام الأسد وحلفائه -إيران وروسيا- سوف يلحقون الضرر بشدة على مصير القوات الشريكة في أعقاب الانسحاب الأميركي على المدى القريب. من المفترض أن يكون هناك جهد أميركي لمساعدة الشركاء السوريين الذين سيُتركون قريبًا في الوصول إلى تسوية مقبولة مع النظام، قبل أن تسلّمه الولايات المتحدة الأراضي المحررة. ومع ذلك، فإن هذا الجهد سيُعرّف ويشرح كلمة “الإشكالية”.

حتى لو توصل النظام والأكراد السوريون إلى اتفاق يجمع بين عناصره العفو، والحكم المحلي المخوّل، واحترام حقوق الإنسان الأساسية، فإن السجل المثالي للنظام حتى الآن في ما يتعلق بعدم احترام اتفاقات وقف إطلاق النار، يفرض بأن يسعى الأكراد إلى ضامن طرف ثالث. هل ستخرج روسيا وإيران من دون فائدة؟ وواشنطن؟ هل ستكون الولايات المتحدة التي تلهث نحو مخارج على استعداد للتدخل بفاعلية، نيابة عن شركاء سابقين يعانون آثار (القتل والاعتقال والتعذيب والنهب والاغتصاب) خيانة النظام المحتومة؟ إذا كانت الإجابة “نعم”، فلماذا تنسحب بالأساس؟ وإذا كانت الإجابة “لا”، فما هي الرسالة التي سيتم إرسالها إلى شركاء القتال المحتملين في المستقبل؟

النظرة هنا هي أن شمال شرق سورية هو أرض نفوذ قيّمة ومنخفضة التكلفة نسبيًا في جهد متواصل لتهميش دولة خطيرة راعية وممارسة للإرهاب، ونظام تتطلب بقوة جرائمه ضد الإنسانية المساءلة والعدالة، وشركة عائلية مرتهنة بالكامل لإيران. علاوة على ذلك، النصر على داعش في سورية هو أبعد ما يكون عن الاكتمال: الاستقرار والحكم المحلي القانوني ضروري جدًا؛ إذا أُريد لما يقرب من خمس سنوات من الجهد ألا يُهدَر.

لن تكون المهمة سهلة، حتى بالنسبة إلى بلد كان قادرًا على تنفيذ خطة مارشال وتوجيه اليابان وألمانيا نحو الديمقراطية. والرئيس ترامب حرٌّ في استنتاج أن خروجًا سريعًا من سورية سياسي وله معنى سياسي. ومع ذلك، إذا فعل ذلك، فلا ينبغي له أن يتوهم بأنه تقديم حماية ملزمة للقوات الشريكة لأميركا لا تتم إلا من خلال التزام الولايات المتحدة عسكريًا، بالدفاع ضد الأسد وإيران وروسيا.

وإذا قام بتصفية النفوذ الأميركي في شمال شرق سورية، فعليه أن يفهم بشكل كامل الآثار المترتبة على الأصدقاء والحلفاء المجاورين. نظام الأسد، على سبيل المثال، لا يرغب في عودة أكثر من ستة ملايين لاجئ. كما أنه لا يمكن أن يحكم بطريقة تمنع المزيد من تدفقات اللاجئين. في الواقع، فإن حكم الأسد اللصوصي بجدارة، يَحول دون تمويل إعادة الإعمار الذي تحتاج إليه سورية، ويُبقي على الصعوبات التي يواجهها السوريون مثلما نراها. وأكثر من ذلك، فإن اعتماد النظام على إرهاب الدولة سيظل مصدرًا للهروب والمعارضة العنيفة، ومنها التطرف الإسلامي.

بلعب سورية لدور الثقب الأسود في منطقة مضطربة بالفعل من الناحية السياسية، فإن الدعم الأميركي للأردن ولبنان والعراق وتركيا سوف يتطلب مشاركة مفتوحة ومكثفة للغاية. لا يمكن احتواء العواقب الوخيمة لاستمرار حكم عائلة مجرمة في سورية. باختصار: لا يمكن أن يعني الخروج من سورية تجنب الآثار الإقليمية والدولية لإرهاب دولة نظام الأسد الفاسد لحد التوحش.

بالنسبة إلى الرئيس ترامب، لا يوجد حل وسط: إما أن يكون كل شيء منهيًا بإعلان النصر على داعش، من خلال تسهيل بديل لحكم الأسد، أو الانسحاب بأسرع ما يمكن. إن المشي على الماء ليس خيارًا: قيامة داعش أمر حتمي؛ إذا تأخر الاستقرار وتزايدت التوترات بين العرب والأكراد في المناطق المحررة ذات الغالبية العربية.

لا خير يمكن أن يأتي من تسليم المناطق المحررة إلى النظام وحلفائه: سيتم تسليم الشركاء إلى مجرمي الحرب، وسيعاني الحلفاء الإقليميون عواقب النفوذ الأميركي على محادثات السلام السورية وسيتم التضحية بعملية الانتقال السياسي.

والتضحية من أجل ماذا؟ ستكون الحرب ضد داعش قد ضاعت، وسيتم تحويل/ قلب إيجابيات وسلبيات الشراكة المستقبلية مع الولايات المتحدة بشكل حاسم ومبرر تجاه الأخيرة. لن يكون إعلان النصر سريعًا ولا سهلًا. لكن البديل غيرُ مقبول، أو ينبغي أن يكون كذلك.

اسم المقالة الأصلي Liquidating American Leverage in Northeastern Syria
الكاتب فريدريك هوف،FREDERIC C. HOFF
مكان النشر وتاريخه المجلس الأطلسي،The Atlantic Council، 1/7
رابط المقالة https://www.atlanticcouncil.org/blogs/syriasource/liquidating-american-leverage-in-northeastern-syria
عدد الكلمات 1272
ترجمة وحدة الترجمة والتعريب/ أحمد عيشة

صورة الغلاف: مقاتل من قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في القامشلي، سورية، 30 آذار/ مارس 2019. رويترز/ علي حشيشو

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق