ترجمات

من شبيبة هتلر إلى “الوطنية الدستورية”.. كيف أصبح هابرماس أحد أهم الفلاسفة الألمان في القرن العشرين!

العيش في حالة حرجة: يورغن هابرماس في التسعين من عمره

في بلدٍ تكون فيه الاحتفالات بأعياد الميلاد السنوية شؤونًا مزمنة، لم يكن عيد الميلاد التسعين لـ يورغن هابرماس، الفيلسوف الألماني الرائد، ليمرّ من دون احتفال. كرّست صحيفة دي زيت Die Zeit ملحقًا للتكريم، استعان وزراء الثقافة بقائمة كتبه القديمة. ألقيت محاضرته في جامعة غوته/ فرانكفورت، في حزيران/ يونيو، أمام نحو 3000 شخص. أعادت الذكريات للحضور الأكبر سنًا: حفر الفيلسوف اسمه هناك كمساعد لـ تيودور أدورنو، ونحتَ حججه أمام الطلاب الذين تخلّصوا من أي التزامات طوباوية نتيجة الحرب العالمية الثانية، أو في وقت لاحق، ضد الطلاب الذين ذهبوا برؤاهم المثالية إلى أبعد مما اعتقد أنه يطالب به.

ما يزال هابرماس رشيقًا أمام المنصة، يمشي جيئة وذهابًا بحذائه الرياضي الأسود، مبدلًا بين زوجين من النظارات. لم يخيّب هابرماس جمهوره. فهل خيّبه جمهوره؟ ربما. بدلًا من وابل/ سيول الثناء، تشعر بأنه كان يفضل أن يكون طالبًا جامعيًا متفائلًا ينهض ويطرح سؤالًا. لربما كانت الهدية الأكثر ملائمة في عيد ميلاده ما قدمته دار نشر هابرماس، سهركامب فيرلاج Suhrkamp Verlag، التي نشرت دراسة مفصلة غنية عن فكره المبكر من قبل مؤرخ شاب وُلد في ألمانيا الشرقية.

مثل كانط، هابرماس يؤمن بقدرة العقل التحريرية/ المحررة، الذي غايته مساعدتنا في الوصول إلى سبل عيش معًا بشكل أفضل. عندما يتناقش النس فيما بينهم، في ظروف خالية من الهيمنة والتسلط، هناك افتراض أنه من الممكن التوصل إلى توافق في الآراء، من خلال ما يسميه هابرماس “ضغط الحجة الأفضل من دون استخدام القوة”. إن عدم وجود أي حجج تقريبًا في الحياة الواقعية على هذا النحو هو في الواقع جزء من وجهة نظر هابرماس: نحن نعلم أن بعض المحادثات تقارب هذه الظروف أكثر من غيرها، وفقط في المحادثات التي تكون خالية من الإكراه بشكل أو بآخر، فإن أي اتفاق حقيقي سيكون أمرًا ممكنًا.

مثل هيغل، لدى هابرماس “فلسفة للتاريخ” متقنة بشكل غير اعتيادي لليبرالي. إنه يعتقد أن التاريخ، من خلال استخدامنا الخاص للعقل بداخله، يتحرك في اتجاه معين، على الرغم من أنه يفتقر إلى غاية قابلة للتحديد/ محددة. الوجهة هي، نحو اقتصاد عالمي غير قومي تحدده الخصائص الديمقراطية الاجتماعية. تبدو طريقة هابرماس في التفكير في العقلانية كعامل سببي في الشؤون العالمية، وطريقة لتفسير التغيرات السببية غير مقبولة لبعض من قرائه.

أخيرًا، مثل ماركس، يعتقد هابرماس أن العوائق الرئيسية التي تحول دون استخدامنا الحر للعقل هي قوى الهيمنة المرتبطة بأحدث نسخة من الرأسمالية، وهي تغلق الفجوة بين الخطاب والسلطة وتجعل فكرة “المصلحة العامة” محالة وغير قابلة للتفكير فيها.

خارج ألمانيا، تلقى هابرماس أكثر جلسات الاستماع تعاطفًا معه في الولايات المتحدة، حيث عاش العديد من شراحه الأكثر إبداعًا وتعلموا، ومنهم سييلا بن حبيب ونانسي فريزر وريتشارد رورتي. على النقيض من ذلك، في بريطانيا، يبدو أن هناك رهانًا مستمرًا لمعرفة من يمكنه كتابة المادة الأكثر رقة عنه. عادةً هناك ادعاءان/ زعمان في طريقه: أن نثره مجرد غير مشوق للقراءة، وأن حياته المهنية قد عكست بصدق تطور ألمانيا الغربية، والآن، الجمهورية الاتحادية الموحدة.

أي من هذه المزاعم صحيح. كتب هابرماس بعضًا من أفضل نثره الجدلي في ألمانيا ما بعد الحرب (قد لا يأتي التبرير إلا عندما يتم نشر المجلدات الاثني عشر من كتابه كتابات سياسية صغيرة Kleine Politische Schriften باللغة الإنكليزية). الألفة التي لدى أي خريج نصف مدرك من مدرسة للألعاب الرياضية الألمانية لمفاهيم هابرماس السياسية -من “الوطنية الدستورية” إلى “حالة الخطاب المثالي”- تجعل موقعه في الشهادات الأوروبية يظهر أكثر بكثير من شخصية تحدها الأكاديمية مثل شخصية جون راولز، الفيلسوف الأميركي.

وُلد هابرماس في مدينة دوسلدورف عام 1929، وهو عام انهيار بورصة وول ستريت [الأزمة العالمية الاقتصادية الكبرى]. كان والده عضوًا في الحزب النازي، ومثل غونتر غراس والكثيرين من أبناء جيله، خدم هابرماس في شبيبة هتلر. لم يكن في عام 1968، ولكن عام 1945، كان هابرماس من بين الشباب الألمان الأوائل الذين وفّرت لهم الحرب تجربة تحول بعيدًا عن القومية. اعتقد لاحقًا أن عملية إعادة التعليم هذه قد جعلت ألمانيا مناسبة بشكل فريد لدور رائد في مشروع سياسي ما بعد قومي.

من الصعب اليوم تقدير مدى شجاعة هابرماس في ذلك الوقت. لقد رأى دلائل على بقاء اليمين وانبعاثه من حوله: في إعادة التسلح الأميركي لألمانيا وتطهير الجامعات من الشيوعيين. دان كتابه العلني الأول الأنانية المفرطة cynicism في شعر غوتفريد بن التعبيري. كان في العشرينات من عمره، عندما هاجم هايدغر لإعادة نشر عمل من الفترة النازية، من دون النظر في مساهمته في الحرب وآثارها. في الحرب الثقافية ضد النازية الرجعية، أصبح هابرماس بطلًا في الحركة الطلابية قبل أن تتطرف بعيدًا عن بصيرته.

على مر السنين، كانت بعض مناصبه موضع تساؤل: كان معارضًا لتأسيس حزب الخضر في ألمانيا الغربية (كان يعتقد أن جناحه الإصلاحي أو جناحه الأصولي سيفوز ويحيد القيمة الاجتماعية للحزب) وكان فاترًا نحو إعادة التوحيد (اعتقدَ أن ألمانيا الغربية ستستغل الفرصة لتدعيم وضعها السياسي-الاقتصادي، وليس إخضاعه للتأمل).

لقد وضع هابرماس اليوم جميع علله التاريخية العالمية على الاتحاد الأوروبي. في سلسلة من المناقشات الأخيرة مع وولفغانغ ستريك، أطلق هابرماس بعض التصريحات المشكوك فيها. وقد أشار إلى الاتحاد النقدي الأوروبي، بأنه “مكر العقل الاقتصادي” لتوفير الأساس التكنولوجي اللازم لمجتمع عالمي. ووصف إيمانويل ماكرون بأنه “يبرز أعلى من القيادة الأوروبية لأنه يقيّم كل قضية حالية من منظور أوسع، وبالتالي فهو لا يتفاعل ببساطة”. سواء كان هذا المنظور هو وجهة نظر رأس المال العالمي، أم وجهة نظر مستقبل البشرية، فهو يبدو على الأقل سؤالًا مفتوحًا.

لكن هابرماس محق في الاعتقاد بأن أي تراجع من جانب اليسار، إلى حصن الدولة القومية، من المحتمل أن يكون محبطًا بشكل مضاعف: ليس فقط من جانب اليمين الشعبوي، الذي بالنسبة إليه كانت الأمة دائمًا هراوة ضد الآخرين، ولكن أيضًا من خلال قدرة الطبقة الرأسمالية على إعادة ضبط القومية الجديدة والتكيف معها.

في الحفلة على سطح أحد مباني جامعة فرانكفورت، كان من الصعب تفويت الرمز. البنك المركزي الألماني من جانب، ومن الجانب الآخر مبنى غولدمان ساكس [مؤسسة خدمات مالية واستثمارية أميركية متعددة الجنسيات، تعدّ من أشهر المؤسسات المصرفية في الولايات المتحدة والعالم]. فيما بينهما، جلس هابرماس متكومًا في كرسيه مع زوجته، يستقبل الضيوف من جميع أنحاء العالم.

ماركس، مستعيرًا من هاملت، كان لديه “خلدٌ قديم” للثورة؛ ولدى هيغل بومة مينيرفا التي تطير فقط عند الغسق. على المنصة، أنهى هابرماس خطابه بصورة بدَت كهنوتية على الفور. وقال “خلدُ العقل”، هو أعمى فقط، بمعنى أنه يمكن أن يكتشف مقاومة أي مشكلة غير محلولة، من دون معرفة ما إذا كان هناك حل؛ لكنه عنيد بما فيه الكفاية للمضي قدمًا في الممرات السرية”.

اسم المقالة الأصلي Living in a critical condition: Jürgen Habermas at 90
الكاتب توماس ميني،Thomas Meaney
مكان النشر وتاريخه نيو ستيتس مان أميركا،NewStatesmanAmerica، 28/6
رابط المقالة https://www.newstatesman.com/world/europe/2019/06/living-critical-condition-j-rgen-habermas-90?fbclid=IwAR0vw1wirMVOHTx1tVYZ5TKq6KvinZZdSiY3ey83dFC5F9ON5i481jsWblg
عدد الكلمات 1011
ترجمة وحدة الترجمة والتعريب/ أحمد عيشة

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق