مقالات الرأي

أدوار جديدة للمثقف

لم تعد الأدوار التقليدية للمثقف، من تنظير أيديولوجي وممارسة دور العارف أو المُصلح أو الوصي الثقافي، تصلح للوقت الحالي، ولا سيّما أن هناك تغيرات كبيرة حدثت بعد عام 2011. ذلك أن هذه الأدوار من نقد لأوضاع المجتمع، وكشف بعض العيوب الاجتماعية والسياسية، وفضح ألاعيب مختلف الأطراف الفاعلة على الساحة.. أصبحت جزءًا من ممارساتنا اليومية، ولا سيّما أن غالبية مناطق سورية خرجت لسنوات عديدة من سيطرة النظام، وعاشت تجارب قاسية ومعقدة، ولكنها على كل حال تجارب تعلّم منها السوريون الكثير. طبعًا من دون أن يعني ذلك أن الذين يعيشون داخل مناطق النظام لم يكابدوا أوضاعًا صعبة، وإن كانت من نوع مختلف.

إن التفكير في أوضاع السوريين اليوم، والمشكلات التي رُفع الغطاء عنها، والمكبوتات التي أُفسح المجال لها، والمصالح الخفية التي تكشفت، والحقائق المرة التي فُجعنا بها، يجب أن يبقى الشغل الشاغل للمثقف السوري. وفي ضوء ذلك كله، أصبح استدعاء المحظورات الاثنية والممنوعات الدينية والطائفية ممكنًا. بل إن كل ما هو “غير مقبول” أو “مستبعد” صار قابلًا لأن يكون موضوعًا للبحث والمناقشة الجادة. فالوعي بالحرية لا يوسّع آفاق الروح والفكر فحسب، بل يجعل الإنسان أقدر على ارتياد الواقع، واستكشاف آفاقه، وتبيّن عوائِقه ومشكلاته.

في السنوات الثماني الأخيرة، تكشفت قضايا كثيرة للسوريين، وتكسّرت بديهيات، وتغيّرت قناعات، وأوجب ذلك إعادةَ النظر بما كان يُعدّ من ركائز ويقينيات سياسية وأيديولوجية ظلّت توجه تفكير الناس سنين طويلة. كان الانغلاق السياسي والاستقواء الأمني والإفساد المعمم فيها هو المسيطر والموجه للمجال العام خلالها.

اليوم، لم يعُد من المجدي فضح أن طريقة تكوين وإعداد “الجيش العربي السوري” إنما كانت بقصد إعداده لكي يتصدى لاحتمال اندلاع انتفاضات شعبية واسعة، ولم يعُد من المهم الحديث عن لاوطنية النظام أو طائفيته أو تهاونه في قضايا السيادة الوطنية أو حجم إجرامه الذي وصل إلى حد استخدام السلاح الكيمياوي ضد السوريين؛ لأن السوريين أصبحوا يعيشون هذه القضايا في كل المحافظات، كل يوم وكل ساعة، وتحوّلت إلى أحداث يومية بكل ما فيها من قسوة وألم. بالتالي فإن تناول المثقف لهذه التطورات، على جسامتها، لن يقدم للسوري أي جديد، ولن يساعده في استيعاب ما حوله.

من المهام التي تجعل من المثقف مثقفًا انشغالُه بالعمل على إعادة الثقة بين السوريين أنفسهم، بقناعات ومبادئ جديدة. فاليوم لم تعد القومية، ولا الإسلام السياسي، ولا الإسلام اللاسياسي، ولا اليسار، ولا العلمانية، تصلح أن تكون قاعدة يبني السوريون عليها مستقبلهم المشترك. فقد اتضح للغالبية أن القومية تسهل صعود الدكتاتوريات، وهذا واضح من تجربة سورية ومصر والعراق وليبيا واليمن، ومن الإجرام الذي ارتُكب خلال سنوات طويلة بحجة حماية الأهداف القومية والدفاع عنها. مثلما اتضح للسوريين أن الأحزاب العلمانية لا تختلف في شيء عن الإخوان المسلمين أو “داعش” وأخواتها، إلا بطريقة اللباس وشكل الشعارات الأيديولوجية. فالأحزاب العلمانية واليسارية في سورية، بصيغتها الموجودة على أرض الواقع، هي مجرد فتات أبقاها حافظ الأسد لكي يزيّن بها جبهته التقدمية، ويفاخر أمام الغرب بأنه نظام علماني. أما الأحزاب والحركات الإسلامية، وأذرعها العسكرية من فصائل وأشباه عصابات، فلم تُظهر أدنى اهتمام بمصالح السوريين وكرامتهم، بل على العكس مارست نوعًا من التشفي بإذلال السوريين، على طريقة العصابات الطائفية التي جلبها النظام من إيران والعراق ولبنان.

إن اللعبة التي تقول: “التطبيق غير الجيد للفكرة يجب أن لا يدفعنا إلى التخلي عن الفكرة ذاتها”، هي لعبة تعود لمئات السنين، وغالبًا تودي بالمركب بما حمل، وعلى المثقف أن يُقنع السوريين بأن الأفكار الكبرى التي قُتلوا باسمها، ودُمّر بلدهم من أجلها، أفكارٌ لن تجلب لهم في المستقبل سوى مزيد من القتل والتدمير.

إذا كانت كل من الأيديولوجية القومية والإسلامية لا تصلحان كقاعدة للتفكير في وضع السوريين المعقد، ومستقبلهم الغامض، باعتبارها أيديولوجيات تسهل ظهور الدكتاتوريات وتزيد من فرص الطغاة، وهذا واضح من تجارب السوريين وغير السوريين، على مدى سنوات طويلة؛ فإن الدرس الذي يمكن لنا جميعًا أن نعتبر منه هو العمل على بلورة مشروع ديمقراطي، يجعل من الديمقراطية الأساس والقاعدة لكل تفكير يعيد للسوريين الأمل في مستقبلهم، ويساعد في بناء الثقة بينهم.

فالديمقراطية، بكل مقولاتها ومنجزاتها ومبادئها، هي المركب الذي يتسع لكل السوريين، وهي التي يمكن أن تحميهم من تجبر الطغاة في المستقبل، ومن آفات الطائفية التي استشرت بتشجيع من النظام الأسدي والإسلاميين، وهما الطرفان الأكثر استفادة منها. لقد حلت الديمقراطية مشاكل كبرى وقعت فيها شعوب العالم، وأخرجت شعوبًا أخرى من تحت ركام حروب مدمرة، بل أكثر تدميرًا من الحرب في سورية.

الديمقراطية، بدون “ولكن”، لأن “ولكن” تفتح الطريق لكي تفرغ الديمقراطية من مضمونها. “ولكن” واحدة فقط دمّرت كل شيء. الديمقراطية -من حيث هي عملية سياسية واجتماعية وثقافية- تقوم على المساواة التامة بين كل الأعراق والديانات والطوائف، مثلما تقوم على المساواة التامة بين الرجل والمرأة.. الديمقراطية من حيث هي انتخابات تنظم عمل كل المؤسسات من برلمان ونقابات وأحزاب وبلديات.. الديمقراطية من حيث إنها تجعل السوريين هم مصدر السلطات وليس أيديولوجيتهم أو عشيرتهم أو طائفتهم.. الديمقراطية من حيث هي نظام علماني يساوي بين كل الأديان، وينحّي رجال الدين عن السياسة بشكل كامل، هؤلاء الرجال الذين لم يؤمنوا بالسوريين إلا بوصفهم موضوعًا لتسلطهم. هؤلاء الذين يهاجمون العلمانية، ويكفّرون العلمانيين، على الرغم من أن هناك ربع مليار مسلم علماني يعيشون أوضاعًا أفضل من أوضاع المسلمين غير العلمانيين، لا لشيء سوى لكي تبقى لهم فرصة لكي يتسلطوا على السوريين ووجودهم.. الديمقراطية من حيث هي نظام قانوني يحد من دور العسكر التخريبي الذي مارسوه سنوات طويلة، ومن إجرامهم الذي تجاوز كل الحدود.

الأصل في دور المثقف السوري اليوم أن يكون دورًا نقديًا، وأن يتجرأ على هدم كل الأفكار التي استُخدمت من أجل الهيمنة عليهم. لقد تغيّر كل شيء من حولنا؛ وآن الأوان لكي نغيّر في أفكارنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق