مقالات الرأي

جنون الاستبداد… ووهم الإصلاح

لم يُنتج الانتصار العسكري الأخير للأسد الصغير في سورية، إلا استنقاعًا للحل السياسي، وتأكيد ارتهان مستقبل سورية بالتوازنات الدولية التي لم تعرف توافقًا حتى الآن بين أطرافها الدولية والإقليمية، على الرغم من أن هذه الأطراف انتهت في ختام مؤتمر جنيف 4، بتاريخ 3 آذار/ مارس 2017، وبحضور وفدي النظام والمعارضة، إلى توافقات مهمة على أربع سلال، هي: الانتقال السياسي، الدستور الجديد، الانتخابات، ومحاربة الإرهاب، وفق ما أعلنه المبعوث الأممي آنذاك ستيفان دي ميستورا.

غير أن مسار أستانا، بضامنيه الثلاث، نجح بتقليص السلال الأربع إلى سلة وحيدة تتعلق بجدول زمني لمسودة دستور يتم وضعها خلال ستة أشهر، لنكتشف الآن -بعد مضي عامين ونصف على ذلك التوافق- أن جميع الأطراف عاجزة، أو هي للدقة غير مستعجلة على إنجاز هذه المهمة التي تراوح في مستوى الخلاف على أسماء المشاركين في اللجنة الدستورية فحسب.

لذلك تبدو كل مسارات التفاوض بشأن سورية بلا جدوى، أو هي مجرد لعب في الوقت الضائع، إذ كانت معطلة بداية لانشغال الجميع بأولوية الحرب على الإرهاب، والآن بعد أن اتفق الجميع على إعلان نهاية هذه الحرب في سورية والمنطقة، يستمر هذا التعطيل لغياب توافقات على القضايا الكبرى التي تقع خارج سورية. أي أن سورية وكل ما تحفل به من قضايا وإشكالات غدت قضية صغرى في ميزان التناقضات الدولية الكبرى، لأن السوريين بمستوى النظام والمعارضة لم يعد وجودهم يعدّ رقمًا مهمًا في تلك المعادلة، المهم سورية فقط كجغرافيا أو كرقعة شطرنج تتصارع عليها تلك القوى، لتصفية حسابات وتحقيق مصالح متناقضة فيما بينها، من دون أن يظهر أي أفق واضح بالمدى المنظور لانتهاء هذه الصراعات.

فالسياسة الأميركية معنية أولًا وأخيرًا بالملف الإيراني، وبما يتلاءم مع السياسة الإسرائيلية ورغبات نتنياهو تحديدًا، لتكريس استراتيجيات الفوضى الخلاقة في سورية والمنطقة، فيما الروس غير معنيين بأكثر من تسجيل انتصار عسكري كامل لهم باسم النظام، حيث يتوهم بوتين ومعه النظام أن هذا النصر العسكري سيشكل بالضرورة مقدمة لحل سياسي في سورية، يضمن بقاء الأسد الصغير في كرسيه المهترئ، ويضمن أيضًا اعتراف الجميع بمكانة ومصالح قيصر الكرملين.

وبانتظار تحقيق التوافق الدولي والإقليمي على المصالح والقضايا المتنازع عليها خارج المساحة السورية، يمكننا -السوريين- التأكيد على أهمية الاستفادة من الوقت المتاح بلا حدود مبدئيًا، وتحديدًا بعدما أنهى الجميع حربهم على الإرهاب في سورية والمنطقة، للعودة ثانية إلى جذر المشكلة السورية، باعتبارها صراعًا بين الشعب وقوى التحرر والديمقراطية، وبين نظام مستبد وفاسد اشتغل كثيرًا على دعم وتحشيد نقيضه الجهادي المتطرف، لحرف مسار الثورة وطموحات المواطنة والحرية والديمقراطية لدى السوريين.

لم يكتف النظام وموالوه بذلك، بل سعوا بجدية عالية لتحميل طرف الثورة المغدورة في سورية، مسؤولية تدمير مؤسسات وبنى المجتمع والدولة، متجاهلين أبسط الحقائق والإحصاءات الرسمية للمنظمات الدولية والحقوقية التي تؤكد حتى الآن استهداف النظام بكل الوسائل، ومعه الميليشيات الإيرانية والطيران الروسي، للبنى التحتية في كل المناطق التي خرجت عن سيطرته، أو تلك التي يشك في ولائها المطلق، بدءًا بالمشافي والمخابز، ومرورًا بكل المؤسسات العامة والطرق والجسور، وصولًا إلى حرق المحاصيل الزراعية أخيرًا!

وبما أننا مجبرون على تغييب ملف الانتقال السياسي في سورية، لصالح أولوية وضع دستور جديد لسورية المستقبل؛ فإننا، بغض النظر عن أسماء وقوائم المشاركين باللجنة الدستورية، نؤكد على مسألة وحيدة ربما تتعلق بالمبادئ فوق الدستورية، وهي ضرورة أن يقطع الدستور الجديد مع الدولة الاستبدادية، إذ ليس مقبولًا أن يكتفي الدستور الجديد بتلوين جلد الدب بألوان زاهية، فيما تُترك أنيابه ومخالبه التي تفترس السوريين منذ نصف قرن تقريبًا. ومن دون القطيعة مع الاستبداد الأسدي؛ نكون أمام استعادة مكرّرة لمعزوفات الإصلاح التي صدحت بها أبواق النظام منذ انقلاب الأسد الأب 1970، الذي منحه الصفة التصحيحية، مرورًا بكل صيغ الدساتير التي أنتجتها الآلة الديماغوجية للأسدين الكبير والصغير، والعديد من مشاريع الإصلاح الإداري والاقتصادي، مع تأكيد الفصل المستمر بين تلك المشاريع وبين الإصلاح السياسي الذي يشكل خطًا أحمر في قواميس النظام.

حيث أنتجت عقود الإصلاح المنصرمة طبقة ودورة من الفساد غير مسبوقتين بتاريخ سورية، وأدت إلى مزيد من تغول النظام الاستبدادي، وتعميم شكل من الفساد الإداري والمالي، شكّل التفافًا على مطالب السوريين وحقوقهم باسم الإصلاح.

من هنا تظهر أهمية القطيعة مع الاستبداد، التي تشكّل الآن رعبًا لنظام الأسد الصغير، ولكل داعميه، إذ يدركون أن نهاية الاستبداد تعني بالضرورة نهاية هذا النظام الدكتاتوري المستبد والفاسد، وربما يفسر هذا جانبًا من الإعاقة التي تحول دون التقدم في أي من مسارات الحل السياسي للآن، حتى في المسار الدستوري.

لذلك ترتفع كل أبواق الموالاة، ومعها الكثير ممن تلونوا بألوان المعارضة داخل منصات القاهرة وموسكو… وأخرى قيد التشكّل ممن يبحثون عن أدوار مستجدة لهم، بالعزف على وتر الإصلاح الذي ينادي به النظام، مشكلين كورال له أصداء دولية وإقليمية ممن يبحثون عن أهون الشرّين وأقصر السبل وهوامش الممكن، متجاهلين أن إشكالية الدولة الاستبدادية في ميزان التغيير والإصلاح، لا تتطابق مع مفهوم الدولة الغربي بالمعنى الحديث، والذي يمتلك استقلالية عالية تجاه السلطة بمعنى الحكومة المسيرة لشؤون المجتمع ومؤسسات الدولة، دون أن تتماهى تلك السلطة بالدولة ومؤسساتها، أو تتملكها كما هو حاصل في سورية وفي العديد من النظم العربية الكُليانية أو الشمولية المعاصرة.

وإذا كان عصر النهضة ازدهى سابقًا بدعوات الإصلاح؛ فإن النصف الثاني للقرن العشرين غيّب هذا المصطلح لصالح فكر شمولي بنى قواعده الانقلابية في ظلّ الحرب الباردة، مستعينًا بأهازيج حركات التحرر العالمي التي التحقت بالمعسكر السوفيتي، وكلها أنظمة استمدت شرعيتها أساسًا من العنف الثوري، حتى باتت عصيّة على أي إصلاح ينتزع، ولو كان جزءًا بسيطًا من امتيازاتها الدكتاتورية.

لذلك أقصت هذه الأنظمة المسألة الديمقراطية وحقوق الإنسان ومفهوم الفرد من أجنداتها، واستعاضت عنها بديمقراطية وحقوق الجماهير، كتعبير غوغائي بديل عن مفهوم الشعب كمصدر للحقوق السيادية والدستورية، الأمر الذي عزز استبداد الأنظمة القمعية في المنطقة، ومنها استبداد نظام الأسد بكل السوريين، أفرادًا ومكونات.

إنّ تعشّق السلطة السياسية في نظم الاستبداد العربي، وتداخلها في كل مفاصل ومؤسسات الدولة، وهيمنتها على المؤسسات العسكرية والأمنية، جعلها عصية على أي إصلاح، سواء أكان من داخلها، أو عن طريق الثورة عليها من خارجها، حيث فشلت كل محاولات إسقاط الأنظمة الدكتاتورية في سورية واليمن، وما زالت متعثرة في الجزائر والسودان.

هذه الأنظمة، وفي مقدمتها نظام الأسد الصغير، لم تترك إلا طريقًا واحدًا للتغيير، طريقًا يمرّ على جثث السوريين ومعاشهم ومواطنهم مدنًا وأريافًا، بما فيها جثث مؤسسات الدولة، التي يفترض حيادها عن السلطة السياسة بالمفهوم الغربي، وقد عبّر نظام الأسد عن وعيه المبكر لتلك المعادلة بشعار “الأسد أو نحرق البلد”، وهو يحرق البلد الآن بما فيها مفهوم الوطن والمواطنة، بعد أن دمر كل المؤسسات، وهذا يعيد طرح السؤال حول إمكانية انتصار الثورة أو أي تغيير مع الحفاظ على بنى ومؤسسات الدولة؟ كما يعيد السؤال حول إمكانية إصلاح نظم الاستبداد في المنطقة؟

إن أكثر ما يخشاه السوريون اليوم، هو بقاء هذا النظام المجرم، بكل دكتاتوريته وآليات فساده المعروفة، ليقود إصلاحا يؤبّد سلطته ويُنهي قضيتهم العادلة، فلا وطن ولا مواطنة ولا إصلاح من دون ديمقراطية، ولا ديمقراطية مع الاستبداد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق