مقالات الرأي

بوتين والتحديات الدولية والإقليمية

من يتابع السياسة الروسية خلال 20 سنة تقريبًا؛ يتبلور لديه شعور بأن بوتين يجابه العالم ويتابع مسيرته ثابتًا على مواقفه السياسية، داخل روسيا وخارجها.

ففي بدايات حكمه عام 2000، خدمته أسعار النفط المرتفعة، حيث شعر الروس ببحبوحة معيشية، ولم يشعروا بهيمنة طبقة الأوليغاركية وما يترافق معها من فساد ونهب. واستفاد الرئيس بوتين من أوضاع داخلية، وبخاصة القضاء على حالة التمرد في الشيشان باستخدام نظرية الأرض المحروقة واستمالة المتمردين إلى جانب السلطة. وفي عام 2007، صرّح بوتين للعالم في مؤتمر الأمن الأوروبي في ميونيخ بأن روسيا لن تقبل بسياسة القطب الواحد، وستدافع عن مصالحها في كل مكان.

وأثبت ذلك في صيف 2008، في التدخل العسكري في جورجيا، واقتطاع جمهوريتي أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية عن جورجيا، ومنحهما الاستقلال الذي يجعلهما عمليًا تحت الوصاية الروسية. ثم جاءت ثورات الربيع العربي التي وقفت موسكو ضدها بالمطلق.

وفي مجلس الأمن الدولي في 2011، امتنعت موسكو عن التصويت على قرار يخص ليبيا (كان الرئيس حينذاك ميدفيدف) وتم تمريره، وأدى إلى نهاية حكم القذافي، ولم يؤد إلى انتصار الثورة الليبية، في حين وصف بوتين تدخل الناتو بأنه حرب صليبية. ومنذ ذلك العام؛ اتخذت موسكو قرارًا استراتيجيًا بحماية نظام الأسد، متوهمة بأنه حليفها وصديقها وحامي مصالحها.

وكما قال لي خبير روسي: منذ أن اندلعت الثورة السورية، قدّمت روسيا الدعم الهائل لنظام الأسد، وتدخلت عسكريًا، وضحّت بخبرائها العسكريين وطائراتها وجنودها، ولم تكسب دولارًا واحدًا حتى اليوم. وقد قال نائب رئيس الوزراء الروسي دميتري روغوزين، حين زار دمشق منذ سنتين تقريبًا، إن الروس ينتظرون استرجاع كل دولار صرفوه في سورية.

وهناك تحليلات وتسريبات تفيد بأن التدخل العسكري الروسي الواسع في سورية جاء بموافقة أميركية وبضوء أخضر أميركي، لحماية نظام الأسد كونه حمى “حدود إسرائيل” 50 عامًا، وحقق حلم “إسرائيل” بتدمير سورية، بعد أن دُمّر قبلها العراق على أيدي الأميركان وإيران.

ولكن السؤال الأهم: ماذا تستفيد روسيا من كل هذا الدعم لنظام الأسد؟

أشار الرئيس الروسي، منذ أسبوع تقريبًا، في مقابلة مع صحيفة الفايننشال تايمز البريطانية، إلى أنه أصبح من الممكن وقف إراقة الدماء على نطاق واسع، بفضل تقديم روسيا المساعدة الأكبر للحكومة السورية الشرعية في سورية، بالرغم من أن الطريق نحو الانتصار في سورية كان محفوفًا بالمخاطر، وتحدث بفخر بأن نتيجة الجهود التي بذلتها روسيا في سورية أكبر مما كان يتوقع، رغم أن الخطر من التدخل في هذه الأزمة كان كبيرًا. ولم يتخذ بوتين قرار التدخل فجأة، بل فكّر في هذا الموضوع مسبقًا وجيدًا، وقيّمَ كل الملابسات والإيجابيات والسلبيات. كما أنه قيّم سيناريوهات تطورات الأوضاع حول روسيا، وما هي التداعيات بالنسبة إليها، وتحدث عن ذلك مع المساعدين والوزراء، وليس فقط مع الأجهزة الأمنية العسكرية، وإنما مع كبار المسؤولين الآخرين. واعتبر في نهاية المطاف أن “النتيجة الإيجابية من مشاركتنا النشطة في الشؤون السورية ستكون، بالنسبة إلى روسيا ومصالحها، أكبر بكثير من تداعيات عدم التدخل والتفرج السلبي على تنامي قوة الإرهاب الدولي قرب حدودنا”.

وبذلك فإن بوتين، وهذه ليست المرة الأولى، يُقيّم نتائج التدخل العسكري في سورية عاليًا: لأنه “أولًا، تم القضاء على عدد كبير من المسلحين، وثانيًا، تمكنّا من إرساء استقرار في المنطقة القريبة منا جغرافيًا، ما يعني أننا، ثالثًا، أثرنا بشكل مباشر في ضمان أمن روسيا في داخل البلاد نفسها، ورابعًا، أقمنا علاقات جيدة وعملية مع كل دول المنطقة، ومواقعنا في الشرق الأوسط أصبحت أكثر استقرارًا. والأمر يتعلق قبل كل شيء بسورية نفسها، حيث تمكنّا من الحفاظ على مؤسسات الدولة السورية، ومنع اندلاع الفوضى هناك، وأخيرًا طوّرنا قواتنا المسلحة بشكل كبير، بعدما تلقّت خبرة لا يمكن تصورها في أي تدريبات في الأجواء السلمية”.

وكل ما ذكره الرئيس الروسي يصبّ في خانة التصريحات السياسية، التي لم تعطِ نتائج عملية وفائدة عملية ملموسة، خاصة أننا نعرف أن السياسة الروسية تقوم على البراغماتية والمصلحة.

حاولت القيادة الروسية، من خلال ممثلي وزارتي الدفاع والخارجية وأجهزة الأمن، إقناع العالم العربي والأوروبي ودول إقليمية بأن سياسة موسكو -من خلال لقاءات أستانا والاستجمام في سوتشي- تصلح كبديل عن جنيف والقرارات الدولية، وقد نجحت كثيرًا في هذا الاتجاه، وبخاصة في ملف مناطق خفض التصعيد المشؤومة التي كانت التفافًا حقيقيًا على الثوار، بدعم تركي وإقليمي وبمباركة أوروبية وأميركية.

وفي هذا الإطار، بنوا آمالًا كبيرة، من خلال فكرة إعادة اللاجئين، لكي يجذبوا التمويل لإعادة الإعمار فلم يفلحوا لا في الشرق ولا في الغرب. وكذلك حاولوا إعادة النظام السوري إلى عضوية الجامعة العربية، وطبّلوا لذلك -ومعهم “محور الممانعة”- ولم يفلحوا، لأن واشنطن وقفت لهم بالمرصاد.

ولم يبقَ سوى ملف اللجنة الدستورية الذي يتعثر منذ سنتين، بسبب تعنت نظام الأسد وارتباطه بالتوازنات الدولية والاقليمية، فعندما تتفق الدولتان العظميان أميركا وروسيا، ومعهما “إسرائيل”؛ سيقولون انتهى تشكيل اللجنة الدستورية. ولكن حتى لو تشكلت اللجنة الدستورية، فهذا يعني بداية طريق صعب وطويل وشائك، إذا بقي بيد دمشق وطهران وموسكو. والذي يحير في موقف موسكو هو كيف تتصور نهاية الأزمة في سورية بعد أن حوّلوا الثورة إلى صراع مسلح، وأسلموه وشوهوا صورة الثورة السورية السلمية النقية.

ذهب الرئيس بوتين إلى قمة العشرين، في أوساكا باليابان (28/6/2019) وأدلى بتصريحات كثيرة، والتقى بعدد من الزعماء ولكنه بقي يبحث عن مخرج من الأزمات المتلاحقة في علاقات روسيا مع العالم، مثل العلاقة مع واشنطن وملفات أوكرانيا وسورية وغيرها من الأماكن الساخنة. ويبقى أمل موسكو في تحسين العلاقة مع ترامب – الصديق العدو لموسكو، فمن خلاله يمكن حلحلة الأزمات وتحريك الملفات، ومن أخطرها الخروج الأميركي من اتفاقية الحد من الصواريخ القريبة والمتوسطة المدى، ويقال إن هناك تقدمًا بعد لقاء الرئيسين بوتين وترامب في أوساكا، حيث كلّفا وزيري خارجيتيهما بمتابعة الملف.

وتبقى سورية الجرح الذي ينزف، بالنسبة إلى السوريين، والمستنقع العميق للروس، لأن “دخول الحمّام ليس كالخروج منه”. ولا يعرف أحد ما هي خطة موسكو للخروج من الوضع المستعصي في سورية، الذي تلعب فيه دورًا مؤثرًا ومتورطًا.

لكن القمة الأمنية الأميركية الإسرائيلية الروسية في القدس الغربية، في 2 حزيران/ يونيو، تشير إلى اقتراب رسم ملامح الحل في سورية؛ لأن القوى الأساسية الثلاثة الفاعلة عمليًا في المشهد السوري قررت، أخيرًا وعلانية، الالتقاءَ، بفضل جهود واضحة لنتنياهو الذي يصارع للبقاء في دفة القيادة الإسرائيلية، ويريد أخذ كل ما يستطيع من ترامب الذي ينسجم معه بتوجهاته الشعبوية اليمينية، ويلتقي معهما الرئيس بوتين، الذي شنّ هجومًا على الليبرالية في قمة العشرين، أثار موجةً كبيرة من النقد الأوروبي له، لدرجة أنهم أطلقوا عليه وصف “زعيم اليمين في العالم”.

قد يكمن السبب الرئيس للموقف السياسي الروسي، تجاه الوضع في سورية -برأي خبراء روس- في كون الملف السوري بيد وزارة الدفاع الروسية التي تستفيد من الحرب ومن بيع الأسلحة.

لا أحد يفكر في الشعب السوري ولا في الشعوب عمومًا، فكلّ القادة والزعماء تهمهم المصالح والأجندات الجيوسياسية والسلطة والثورة.

لو فكّرت موسكو مرة واحدة بعقل متزن، وقدّمت مبادرة سياسية مقبولة لدى الشعب السوري تتوافق مع المصالح المشروعة لروسيا في سورية؛ لكسبت الكثير، ولكن يتولد شعور بأن هناك مركزَ قوة عالميًا خفيًا يقرر السياسات الدولية. وفي سورية لم يحن الوقت لحسم الأمور ووضع النقاط على الحروف.

ولكننا -السوريين- يجب أن يكون لنا صوت وطني، ودور مستقل واضح وملموس مقابل الأصوات المشوهة للنظام والقوى المحسوبة على المعارضة التي ألحقت البلاء بالثورة السورية، وما زالت تتصدر المشهد وكأنها منزلة من السماء على السوريين. وأنا على ثقة بأن الثورة التي تعيش في وجداننا وعقولنا ستنبعث من جديد، لأن الحق لن يموت ما دام وراءه مطالب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق