سلايدرقضايا المجتمع

سقوط الرافعة الثورية للطاغية

على مرّ التاريخ، شكّل النضال الفلسطيني، بأبعاده الإنسانية العميقة والعريضة، رافعة إنسانية ومعنوية، من زاوية نظرية على الأقل، تُوّجت هذه الرافعة بثورات عربية، استندت إلى معطيات وأبعاد لا تختلف عن التي تمسّك بها على الدوام، من تعرّض للاحتلال، ومحاولات التطهير العرقي، والاستيطان وطمس الثقافة والتاريخ، وهي التي أعطت دفعًا قويًا بالجوانب النظرية والأخلاقية للشارع العربي المنتظر حينها مؤازرة، من أصحاب ثورة “حركة التحرر الوطني” أو من بعض النخب التاريخية، لكن مع الأسف ظنّ أصحاب مشروع تلك النظريات، في مؤامرات الثورات والطعن بها، أنها منجيات من عجز متأصل ومبتعد للأبد عن شوارع وأحلام العربي، وغاب عن بالهم ما اقتاتوه وأنكروه طوال عقود، عندما أنشد السوري مفردات عميقة وإنسانية عن الحرية والكرامة والمواطنة.

سقطت الرافعة مدوية فوق رؤوس أصحابها، لم نعد نعثر على نقطة ارتباط حقيقي وأصيل، إلا في الأزقة والميادين العربية التي قُصفت ودُمرت وهُجّر سكانها، والتي تشكل الالتقاء المتين لمركز الاستقطاب للقضية الأساسية. لا خلاص من الاحتلال من دون إسقاط أنظمة الطغيان، و إسقاط الأسد ألف باء الخلاص، وسقوطه شرط موضوعي لهزيمة كل الصفقات. وقد كشفت سنوات الدعم غير المحدود لنظام قتل السوريين والفلسطينيين، الذي تلقاه من موسكو وتل أبيب وطهران ومن كل المجتمع الدولي، أنه ركن من أركان الصفقات الرخيصة والثمينة لقوى الاحتلال.

ممكن أن يعبّر اللاجئون الفلسطينيون عن رفضهم لصفقة تصفية حقوقهم التاريخية، وعن رفض أي صفقة مشبوهة، وهم الأقدر على تحسس المخاطر والتنبيه منها، لكن لا يُفهم إصرار بعض الفصائل والنخب المنضوية تحت حلف الممانعة، على أن تقوم بتنظيم وقفة لمعارضة صفقة القرن، وهي التي ساهمت مع نظام الأسد في تهجير وقتل من يُفترض به أن يكون خزان المقاومة والذاكرة الفلسطينية، من يحتشد على أبواب مخيم اليرموك المدمر والمهجّر سكانه للتغطية على جرائم الأسد، تحت صورة بشار الأسد وشعاراته، يوجه النداء لمقاومة الصفقة، من دون تحديد “آليات” ومسلكيات غير تلك التي ينفذها الأسد وعصاباته وبعض مرتزقة “حركة التحرر الوطني” المنهمكة بمساندة الأسد في قتل شعبها والشعب السوري.

فقط في سورية، يمكن أن يُفهم، بعد سنوات انقشاع الغلالة الضبابية، كيف كانت تجري عملية الاتّجار بالمقاومة، وبكل منظومة الشعارات المتصلة بها، حيث هُجّر سكان المخيمات ودُمرت منازلهم بطائرات الأسد وحليفه الروسي، وقُتل الآلاف بفرع “فلسطين” والمسالخ البشرية المعروفة في سورية، والمجهولة بإنكار الممانعين، فإذا كانت البيئة الطبيعية للاجئين الفلسطينيين، بعمقها البشري والحضري والمدني، نُسفت ببراميل وقنابل الأسد، فلا يمكن الادعاء بالتباكي على قضية فلسطين من منصة ترفع فوقها صورة وشعار الأسد، بينما أهلها وأشقاؤهم لم تزل رقابهم تُجزّ بسكينه.

الصفقة مستمرة منذ خمسة عقود، مرّ نصف الوقت من القرن الماضي، لتحويل الأوطان والمجتمعات إلى مزارع للحاكم العربي، لم يكن هناك أفضل من هذه التهيئة لتوفير ظروف مناسبة للمحتل، كالتي وفّرها له طغاة العرب، فعندما يجتمع المحتل سرًا وعلانية مع حاشية الأنظمة، وتكون الساحات العربية مزينة بأعلام هزيمة وسحق الثورات، لن يغيب عن الذهن أن من ساهم في ممارسة الحصار والقتل والتجويع والتدمير للفلسطينيين في سورية، ومن شارك الطاغية وحشيته بالانقضاض على شعبه وعلى إخوته، هو الذي سمح للعدو وأعوانه بالتمادي في استخدام مختلف أساليب المراوغة لتصفية القضية، تحت مظلة وحشية الأسد، ومن خلفه شهية النظام العربي للاستبداد.

سطور كتاب الوعي الذي خطّه السوريون والفلسطينيون المنكوبون في سورية، كُتب بالدم وما زال يُدوّن، ليشكل أحد مداخل النجاة لقضية فلسطين لمواجهة أخطر المؤامرات، فالثورة في سورية صقلت كثيرًا من البديهيات، وأسقطت نظريات أكثر عن القضية نفسها، سقطت رافعة الأسد الممانعة، ورُفعت الصفقات للعلن، و لم تزل فرصة التزود بالوعي قائمة، وتخطت جغرافيات عديدة، فمن يريد مقارعة المحتل ومقاومة مشاريعه؛ فليبدأ بالأسد عار القرن وجعبة المحتل.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق