سلايدرقضايا المجتمع

شخصية البدوي في الإعلام السوري

من المسلّم به في العلوم الإنسانية، التأثير الواسع للجماعة البشرية في الفرد. وتتنامى قوة هذا التأثير كلما كانت المجتمعات أكثر التصاقًا بالعادات والتقاليد التي تسهم بدور ملموس في تشكيل وعي الكائن البشري، وتقوم بتحديد سلوكه ورؤيته للعالم من حوله، ولا سيما إذا ترافقت مع قيم اجتماعية موروثة، ومناهج تعليمية، تكرس حالة الجمود والمراوحة، وتنفي بذور الشك، وتزيح التساؤل عن ساحة الفكر، الأمر الذي يجعل “اللامنتمين” و”الخوارج” على قيم الجماعة وأنماط سلوكها نخبة، لا يمكن أن تشكل أثرًا في البيئة الاجتماعية بها، لقلة عددها الذي يعد نسبة هامشية قياسًا بالجماعة المحيطة بها.

تكاد الصورة المرسومة أعلاه تنطبق على المجتمعات المحلية في البلاد العربية عمومًا، وفي سورية خاصة، ولا سيّما في ظل تقوقع كل جماعة داخل تقاليدها وعاداتها، وخضوعها لرؤى موروثة، تشكل المنطلق الذي تستند إليه في تقييم الآخر، أيًا كان هذا الآخر. وفي إطار هذا الانغلاق، تتشكل صور ثابتة للجماعات الأخرى، تصبح أساسًا في طريقة التعامل معها.

فحوى الكلام أعلاه أن الصور النمطية خصيصة ملازمة للمجتمعات التقليدية التي لم تشهد قيام نظام رأسمالي حقيقي. وتمتاز تلك الصور بسمات، أهمّها غياب الدقة، لأنها مجموعة انطباعات تقوم على أسس غير علمية، وتنبني على التعصب والتعميم، فضلًا عن مقاومتها للتغيير.

توضع في ميزان حسنات الرأسمالية قدرتها الفائقة على تحطيم البنى التقليدية، وصهر المجتمع في طبقات اجتماعية، بحيث تختفي التكوينات السابقة على نشوء الدولة: “العشائر، الطوائف، الجماعات الدينية، الأقليات العرقية”، ليحل بدلًا منها نظام جديد عماده الطبقات الاجتماعية، ينهي التكوينات الهوياتية البدائية، ويخلق وعيًا جديدًا، أساسه المصلحة الاقتصادية المشتركة بين الفرد وطبقته.

افتقرت بلادنا إلى هذه السيرورة التاريخية، فلم يتح للبرجوازية الوطنية أن تقوم بدور مماثل للبرجوازية في دول المركز الأوروبي، فالانقلابات العسكرية ذات النهج الاشتراكي قطعت سلسلة التطور الطبيعي، وقفزت مباشرة إلى ما أطلق عليه “الدولة الاشتراكية” التي أخفقت في محو البنى التقليدية في كل البلاد التي حكمتها، فضلًا عن توجه بعض الأنظمة نحو تكريس تلك البنى في دول مثل سورية.

وكلما سارت المجتمعات أو الجماعات البشرية أشواطًا بعيدة في سلم الحضارة والتمدن، واندمجت في خليط معقد من العلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية، اختفت الصور النمطية التي تتبادلها الجماعات البشرية، داخل الدولة الواحدة، وتلاشى تأثيرها في الحياة العامة، وزال ما فيها من مضمون سلبي، لتصبح مسألة هامشية، يجري تبادل النكات بشأنها. واحدة من هذه الصور النمطية التي اختفت في مجتمعنا ما نتبادله من نكات حول أهل حمص، وعطلتهم في يوم الأربعاء. وهي صورة نجد نظائر لها في كل الدول، كالنكات التي تطلق حول سكان منطقة البحر الأسود في تركيا.

إذا افترضنا أن الصور النمطية الموروثة عن الأسلاف ناتجة عن الجهل وقلة المعرفة والخبرة، في زمن كانت فيه وسائل الاتصال محدودة، بمعنى أنها نتاج وعي مشترك بين أفراد الجماعة؛ فإن أهم ما يميز الصور النمطية المعاصرة أنها عمل منظم، يهدف إلى تشكيل تصور معين عن الجماعة الأخرى، غالبًا ما يتخذ صورة سلبية، ويكون مشحونًا بالكراهية والعنف. فالفرق بين الصور الموروثة والصور التي يشكلها الإعلام المعاصر أن الأولى نتاج ثقافة غير عالمة، في حين أن الصور المعاصرة هي نتيجة ثقافة عالمة.

لم يكن للإذاعة، فيما يبدو، قدرة على خلق صور نمطية سلبية، كما هي الحال في عصر الإعلام المرئي، فضلًا عن النسبة الضئيلة التي تتابع ما تقدمه من برامج ومسلسلات إذاعية، بعد أن أصبح محطات التلفزة هي الأداة الأساسية في تلقي المعلومة، وبخاصة بعد أن أخذ دورها بالتعاظم في صناعة الرأي العام وتوجيهه، على حساب الوسائل التقليدية: الكتب، الصحف، السينما…إلخ.

لا جدال في أن المجتمعات المحلية في سورية كوّنت صورًا معينة عن الجماعات المحلية الأخرى، وكثير منها صور سلبية، غير أن الملاحظ أن هذه الصور لم تجد طريقها إلى الإعلام، بل بقيت في إطار التداول الشفوي، ولم تتحول إلى خطاب رسمي، يحض على الكراهية والازدراء، باستثناء شخصية البدوي في الإعلام السوري، فمنذ ظهور التلفاز، شرع الجهاز الإعلامي في ترسيخ صورة نمطية سلبية عن ابن العشيرة، يمكن تلخيصها بما يلي:

شخص غير متعلم، يلبس العقال والكوفية والعباءة، يتكلم اللهجة البدوية، قادم أساسًا من المحافظات الشرقية، لا يعرف قواعد السلوك الاجتماعي المهذب، يمتاز بالخشونة والفظاظة، اسمه خلف أو جاسم في أغلب الأحوال، ولكنه “مجعص الهقط” دائمًا، بسبب الصورة النمطية التي شكلتها في وعي الناس الشخصية التي حملت هذا الاسم في أحد أعمال دريد لحام.

أشرنا من قبل إلى أن النظام الأسدي وجد حضورًا واسعًا للبنى الاجتماعية التقليدية بين السوريين، ترافق مع صور معينة كونتها كل جماعة عن الجماعات الأخرى، ولكن جنايته أنه عمل على تغذيتها بغية تحويلها إلى هويات متصارعة، تحمل بذور الشك والتوجس نحو الآخر: المناطقي والمذهبي والديني.

وقام الإعلام السوري الرسمي، مدفوعًا بتشجيع من قبل أجهزة النظام، بالعمل على ترسيخ هذه الصور الذهنية التي يبدو أنها لم تكن موجودة لدى قطاعات واسعة من الشعب السوري، قبيل وصول الأسدية إلى السلطة، وبالعمل على ترسيخها في الوعي الجمعي.

لكن الصورة النمطية عن “العشائر” هي الصورة السلبية الوحيدة التي يتداولها الإعلام السوري، على خلاف الصور النمطية الأخرى. وهذا أمر ليس من الصعب تلمس أسبابه في البحث عن بنية السلطة في سورية، ففي هرم هذه السلطة لا نلمح أي وجه بارز من الشخصيات العشائرية التي جرى إهمالها، والتعامل معها من زاوية بروتوكولية تشريفية فقط، بحيث لم يكن لها القدرة على الرفض أو حتى تعديل ما يطلب منها إقراره بخصوص القضايا والمسائل المتعلقة بمناطقها، كذلك كان حضورها الاقتصادي ضعيفًا، نظرًا لعهود من التهميش والإقصاء والنهب المنظم لموارد منطقة الفرات والجزيرة على نحو خاص.

يدور الحديث، اليوم، بين اللاجئين السوريين، في كل دول العالم عن اليمين، وخطاب الكراهية المتزايد في الدول التي استقبلتهم، وكذلك دور وسائل الإعلام في تغذية هذا الخطاب، وفي تشويه صورتهم أمام الرأي العام، ولكنهم يتناسون أنهم لو عادوا إلى ذواتهم وفتشوها، لعثروا على الكثير من هذه الصور المترسخة حيال أبناء بلدهم الذي هربوا منه، على نحو ربما يفوق في قسوته خطاب الكراهية اليميني الذي يشتكون منه.

قبل سنوات، كنت أجلس في مكتبي بحمص، حين جاءت طالبة تدمرية في سنتها الجامعية الأولى، تشكو لأستاذها نظرة الاستعلاء لدى زميلاتها الحمصيات، بوصفها بدوية من تدمر، وكانت تتذمر من حجم الجهل الذي دفع إحداهن إلى سؤالها: كيف تستطيعين العيش في الخيمة في هذا الجو الحار؟

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق