أدب وفنون

الشهرة والربيع العربي

دفعتني وسائل التواصل الاجتماعي إلى التأمل الدقيق المربك، الذي أوصلني إلى نتيجة أكثر إرباكًا، مفادها أن غالبـيتنا تريد الشهرة، وقد دعم الفيلسوف الأميركي آندي وارهول تلك النتيجة المرتبكة، حين قال: “في المستقبل، سيكون بقدرة أي شخص أن يحظى بـ 15 دقيقة من الشهرة”…. 15 دقيقة، هي فرصته للإطلال على العالم بأسره، يجلس ووجهه يشع نورًا وعينياه تلمعان ذكاء، يحتضن حاسوبه الشخصي ويضع قدمًا فوق أخرى ويفكر في كلمات آندي.

لقد أصبحت الشهرة سلاحًا مسممًا وأكثر استبدادًا من سلطة المال أو المنصب، وقد تجعلنا فوق مرتبة البشر أو أبسط من إنسانيتهم.

ما هو رأي المثقفين العرب بالشهرة، وكيف ينظرون إليها؟

تواصلتُ مع بعضهم وكانت الردود منوعة ومختصرة:

★ محمد دالاتي (كاتب سوري)

– انا مع الشهرة وأسعد بها، بشرط ألا يتم استغلالها للتبجح وكسب الأموال، تمامًا كنجومية المغنين! هي تعبير عن وعي وإبداع أصبح معروفًا ومقروءًا من قبل الكثيرين، وقد تكون مقتلًا للمبدع إذا لم يكن عميقًا وواعيًا.

★ زياد النبواني (شاعر سوري)

– الشهرة هي أن تصبح نجمًا معروفًا في وسط معين، وربما تحصل على شهرتك بالسلب أو الإيجاب، وليس بالضرورة أن تمتلك إمكانات خاصة، لأنه ربما يتبناك أشخاص أو مؤسسات يلمعون صورتك ويصنعون شهرتك.

★ أنس سلامة (فنان تشكيلي فلسطيني سوري)

– الشهرة: الحبل الذي يقيد الروح ويترك ندبات عليها ليشوهها.

★ د. عمار أحمد المرواتي (أديب وموسيقار عراقي)

– الشهرة ربما تكون الهدف العظيم الوحيد الذي يندم محققه عليه، ففي جانب كبير من الشهرة استلاب، وعبودية لبريق يضغط بضراوة للحفاظ عليه، وفقدانه يعني الفشل الذريع المريع.

★ علي الساعدي (كاتب ورسام كاريكاتير عراقي)

– هناك فرق ما بين البحث عن الشهرة، والرغبة في تسليط الضوء على الجوانب المغيبة، من تاريخ المرء ومواقفه التي سوف تعد أرشيفًا للأجيال القادمة، ومحطة توقف ينطلق منها كل جيل لمقارعة الظلم، بغض النظر عن مكانه وتوقيته، لأن ذلك سيشكل باعثًا ثوريًا كما يستمد جيلنا نحن مواقفه وأفكاره من مواقف جيفارد وغاندي بغيرهم القائمة تطوووووول.. بينما يكفي مشهد إباحي لشخصيةٍ ما أن يغزو غرائز ونوافذ العالم شبكيًا في غضون 15 ثانية، وليس 15 دقيقة من دقائق آندي!!

★ أسامة حداد (شاعر مصري)

– الشهرة أن يسعى المرء إلى فقدان خصوصيته واكتساب مساحة من الغرور، فالشهرة ليست أمرًا طيبًا، وفي الوقت ذاته قد يكون تداولها لعبة جيدة للتخلص من أشخاص يعتقدون أنهم أكثر أهمية في هذا العالم.

★ محمد شمخ (كاتب مصري)

– الشهرة: في المدينة ليس هناك أكثر شهرة من عاهرة أو من دجَّال أو كلب مسعور.

★  إبراهيم أبو طوق (فنان تشكيلي أردني)

– الشهرة هي التميز! ولن يكون كل البشر متميزين… ثانيًا: 15 دقيقة فنجان قهوة.. ولا أعتقد أن الشهرة، والتي تسبقها معاناة وإبداع، يمكن اختصارها في 15 دقيقة!

★ عبد القادر صبري (كاتب يمني)

– المقولات حول الشهرة كثيرة.. حين تصير الشهرة هوسًا نصير لاهثين، ويصبح أدبنا فاقدًا للقيمة. الشهرة لا تعنيني لأنها تدمر الفن والإبداع.. قال المتنبي:

أنام ملء جفوني عن شواردها/ ويسهر الخلق جراها ويختصمُ

أدبي ليس إعلانًا حتى اللهث وراء الشهرة. وفي عالمنا الكثير من الدرر الكامنة دون الشهرة. جميع الكتب التي نشرتها لم أترك فيها صورتي على الغلاف، باستثناء ديوان واحد نشر في القاهرة، وهم الذين وضعوا الصورة. وحين فتحت صفحتي في (فيسبوك) بقيت عامًا كاملًا أضع صورة شبحية. لست متدينًا ولكن من التعاليم الإسلامية التي تعجبني أنه لا تجوز الصلاة بثوب الشهرة.

باختصار شديد: الشهرة وهمٌ للبعض، وتجارة للبعض الآخر.

أخيرًا، نحن نبحث عن الشهرة حين نكون فقراء داخليًا، لكن عندما نكون أثرياء فكريًا، لا يهمنا إلا ثراء واقعنا، والربيع العربي زاد فقرنا الداخلي. وبعيدًا عن الشهرة كانت مداخلاتهم الأعمق: كان لثورات الربيع العربي الكثير من الآثار السلبية التي تشبه الأساس الفوضوي الذي كوّن جذورها، والذي دفع بشعوبها إلى مزيد من التخلف والضياع والتبعية في مجالات مختلفة من الحياة. وأنا كسورية أرى أن الهجرة بكل أنواعها، المكاني أو العقلي، الحسي أو المادي، كانت إحدى النتائج الحتمية لذلك الفصل المأسوي.

لقد دفعني قلقي المضطرب إلى سؤال محدد غير معرف، حول مسلمات غيرت الحرب تعاريفها وقوالبها المدعية: المرأة/ الرجل/ الطفل/ الحلم/ الأمل/ الدين/ الحرية/ الوطن… لذلك جاءت إجاباتهم تقول ألمًا وحسرة، تجذرت داخل وعي معرفي حاكم، مسلماتٍ حُفظت غيبًا من دون محاكمات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق