تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

لا يمكن لـ “إسرائيل” أن تكون حليفًا

منذ مدة، تتناقل الأخبار قيام سوريين، يحسبون أنفسهم على المعارضة، بزيارات متكررة لـ “إسرائيل”، ويذكرون من بين هؤلاء اسم “عصام زيتونة” الذي يقولون إنه اسم غير حقيقي، وإنه يقدّم منذ مدة أوراقًا ومشاريع تفاهمات مع الإسرائيليين، وصلت إلى مرحلة متقدّمة حول تفاهمات لمرحلة قادمة.

وكان كمال لبواني قد قام مرتين بزيارة “إسرائيل”، مبشّرًا بأنها مفتاح الحل للوضع السوري، وأنها حقيقة واقعة يجب التعامل معها على هذا الأساس.

من جهة أخرى، نجح “اليهودي هنري ليفي” في تشكيل شبكات تحت عناوين دعم الثورات العربية، وتكريس الديمقراطية، وجرجر عددًا من أولئك الأصدقاء لتغيير مواقفهم من “إسرائيل”، والقيام بزيارات سرّية، وبعضها علني.

في المقابل، أمام تصعيد العداء مع إيران، وما تقوم به من اختراق واسع للمجتمعات العربية، ونجاحها في الهيمنة والتأثير في عدد من البلدان العربية، وفي إحداث انقسامات عمودية في الوضع العربي على أساس مذهبي، هناك دعوات ومحاولات لوضع إيران بموقع العدو الأول، والوحيد، والرئيس، وبما يعني ضمنًا، وعلانية غضّ النظر عن دور “إسرائيل”، وطرح التحالف معها، وتكرار ما يعرف بـ “صفقة القرن” التي تطرح تسوية نهائية للقضية الفلسطينية تنسف قرارات الشرعية الدولية، وتضحيات الشعل الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس.

عرفت الأشهر المنصرمة عددًا من القرارات الأميركية الخطيرة التي وردت في برنامج الرئيس ترامب حول “إسرائيل”، ومنها اعتراف أميركا بالقدس “عاصمة لإسرائيل” ونقل السفارة الأميركية إليها، ثم اعتبار الجولان السوري المحتل جزءًا من “إسرائيل” من دون أن تجد تلك القرارات الخطيرة ردات فعل عربية بمستوى الحدّ الأدنى المطلوب، على العكس فإن دقّ طبول الحرب ضدّ إيران، ولو كانت حتى الآن مجرد ظاهرة صوتية، وجزءًا من سياسة أميركية لابتزاز دول الخليج بمزيد شراء الأسلحة، وتقديم الأموال.

سنضع جانبًا بنية “إسرائيل” ككيان اغتصابي، توسعي، وما قامت به من حروب واعتداءات ضد العرب وتوجهاتهم التحررية، واغتيال مئات الشخصيات الوطنية والفلسطينية وغيرها، وقضم وتهويد ما تبقى من فلسطين التاريخية، ونتجاوز، ولو شكليًا موقع القضية الفلسطينية تاريخيًا وراهنًا في الأمة العربية، ونتناول بعض الوقائع التي تفقأ عيون أولئك الزوار الذين يراهنون على علاقات مع “إسرائيل”، ومنها:

1 – شكّلت “إسرائيل” على مدار عقود، وجود نظام الأسد الطاغية، ووريثه الحامي الأكبر له من السقوط، وتُثبت الاتفاقات التي عقدت مع الأميركان والمعلنة منذ ما يعرف بـ “اتفاقية الفصل في الجولان” تعهّد النظام السوري بضمان “أمن إسرائيل” عبر منع القيام بأي عملية مسلحة ضدها من الحدود السورية، والتزام الأسد بتعهداته تلك.

كذلك الأمر في جوهر وأهداف النظام السوري في الدخول إلى لبنان، واحترامه للخطوط الحمراء التي نصّت عليها الصفقة مع أميركا، وهو التدخل الذي أفضى، في ما أفضى إليه، إلى خروج الثورة الفلسطينية من لنبان عام 1982، وإلى تقويض أسس الدولة اللبنانية التي قامت عليها بتدمير بناها الرئيسة، وتمكين “حزب الله” من السيطرة على الوضع اللبناني، وفرض أمر واقع يهدد لبنان بمزيد الانهيارات والاحتمالات.

خلال سنوات الثورة السورية، توضّح بجلاء أن العامل الرئيس في تردد الإدارة الأميركية باتخاذ مواقف حاسمة من جرائم النظام، ومنع تغييره أو سقوطه عبر “الجيش الحر”، أو من خلال تدخل خارجي بعد استخدامه المتكرر للسلاح الكيمياوي، كانت “إسرائيل” اللاعب المهم الذي حال، حتى الآن، دون اتخاذ موقف أميركي واضح وحازم بشأن الأزمة السورية، حتى في مجال الحل السياسي وتطبيق القرارات الدولية ذات الشأن.

تُعلن “إسرائيل” على لسان كبار قادتها أن بقاء النظام السوري الحالي ضمان موثوق لأمن “إسرائيل”، وأنها اختبرت مصداقيته بالالتزام عبر العقود، لذلك هي حريصة على بقائه، وترفض تغييره.

2 – الجولان أرض سورية، واستعادته مهمّة وطنية تقع على رأس مهام السوريين بكل الوسائل المتاحة، وهو حق لا يمكن التفريط به، أو التنازل عنه، بينما يواصل اليميني رئيس الوزراء الإسرائيلي تصريحاته المنافية لكل حقائق التاريخ، بأن الجولان جزء من” إسرائيل التاريخية”، وأنه جزء لا يتجزأ من فلسطين.

3 – نعم، إيران بمشروعها القومي، المذهبي، وما تقوم به من فعل منظم لوضع يدها على بلدنا سورية، وعلى غيرها من البلدان العربية، هي عدوة بامتياز للشعوب العربية، وهي تهدد الوجود والمجتمعات العربية بأخطار الحروب الأهلية والتقسيم والتفتت. لكن ذلك لا يعني أن “إسرائيل” باتت صديقة، ويمكن أن تتحوّل إلى حليفة، وأن صفة العدو التاريخي قد أزيلت عنها على قاعدة “عدوّ عدو صديقي”، في حين أن معطيات كثيرة تؤكد أن الخلاف بين “إسرائيل” وإيران، لا يرتقي ليكون خلافًا مصيريًا، وأن أهدافًا مشتركة واستراتيجية تجمع بينها، وهي أقوى من عمليات التحجيم، والردع، وحتى محاولات تكييف النظام الإيراني، أو تغيير جزء من بنيته وسياساته.

الوطنية السورية العريقة التي مثلتها ولخصتها الثورة السورية العظيمة لا يمكن أن تلفظ حليب وطنيتها، وتنسى الثوابت والبديهيات، مهما اشتدّت التعقيدات، وتعدد الأعداء، فـ “إسرائيل” بنظر أغلبية السوريين كيان اغتصابي، توسعي، وفلسطين جزء صميمي من وطن عربي، ولا بدّ من الوقوف مع الشعب الفلسطيني الشقيق لتحصيل حقوقه المشروعة في إقامة الدولة المستقلة وعاصمتها القدس، وعودة اللاجئين.

تبقى تلك “الأسراب” التي ترتحل إلى “إسرائيل” لا علاقة لها بجوهر التكوين السوري، ولا بالمعارضة التي تجابه نظامًا إجراميًا تدعمه “إسرائيل” بقوة، هذا بغض النظر عن الواقع العربي الهزيل، والمنقسم، وعن استجارة بعض الأنظمة بالأميركان و”إسرائيل”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق