تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

اجتماع القدس الثلاثي وسقف التوقعات المنخفض

عقدت الولايات المتحدة اجتماعًا ثلاثيًا ضمّ -بالإضافة إليها- روسيا و”إسرائيل”، وناقش، وفق وسائل الإعلام وبعض التسريبات، الوضع في سورية والتهديدات الإيرانية في الشرق الأوسط، كما ناقش التحديات في المنطقة، والتنسيق لعدم التصادم العسكري بين الأطراف الثلاثة، وكان هذا الاجتماع على مستوى مستشاري الأمن القومي للدول الثلاث: جون بولتون، نيكولاي باتروشيف، مئير بن شبات

بما أن الولايات المتحدة لا تُصرّح عادة بأهدافها النهائية أو أهدافها الحقيقية بدقة؛ فقد فهم المحللون والسياسيون أن الولايات المتحدة تريد من وراء هذا الاجتماع التخلص من الوجود الإيراني في المنطقة، وإذا نجحت، فإنها ستُمهّد لإخراج روسيا من سورية أيضًا، في مرحلة لاحقة، لتبقى وحدها في الشرق الأوسط من دون منافس.

أتى الاجتماع بين هذه الدول الثلاث، بعد أن أعلنت الولايات المتحدة تخلّصها تقريبًا من تنظيم “الدولة الإسلامية” في سورية، وبعد أن صعّدت من حدّة موقفها من إيران ووجودها في الشرق الأوسط، ومع إدراكها بأن المستنقع السوري لم يجفّ بعد، ويمكن أن يبتلع أطرافًا أخرى، إذا أحسنت الولايات المتحدة استثمار الوضع بطريقتها.

لكن عملية تحجيم نفوذ إيران في سورية، أو التخلص منه نهائيًا، أمرٌ في غاية التعقيد، فكيف بالتخلص من النفوذ الروسي، الذي سيحتاج من الولايات المتحدة إلى كثير من السنوات والجهود والصفقات ليتم، إن كان إتمامه بالأساس ممكنًا نظريًا، فروسيا بدورها تريد تحجيم النفوذ الأميركي، وهي لذلك تحالفت مع النظام السوري وإيران وتركيا، ومستعدة للتحالف مع غيرهم، لتبقى القوة الأهم صعبة الاجتثاث من سورية، كما أنها تُحاول بدورها جرّ الولايات المتحدة إلى نفس المستنقع السوري الذي ترى الولايات المتحدة أنه سيبتلع روسيا في وقت من الأوقات. لكن الولايات المتحدة حقيقة أضعفت روسيا وحلفاءها كثيرًا، ومنعت روسيا من تمرير أي حلّ سوري، فأسقطت اجتماعات سوتشي ومؤتمر أستانا، وهي تريد الآن الانتقال إلى خطوة تالية، بقص جناح آخر من أجنحة روسيا، عبر إخراج إيران من سورية، وهو ما سيضعف إيران وروسيا في الوقت نفسه.

يعتقد بعض المحللين السياسيين أن اجتماع القدس يمكن أن يكون فخًا دبلوماسيًا من “إسرائيل” والولايات المتحدة لروسيا، عبر جعلها توافق على إخراج إيران من سورية، ومن ثم الاستفراد بها في الساحة الشرق أوسطية، لكن هذه الافتراضات نظرية وسطحية، فالنفوذ الإيراني في سورية أصعب وأعمق من أن يُستأصل وينتهي، حتى لو أراد الروس ذلك أيضًا، والتغلغل الإيراني فاق الحد، وليس من الممكن أن ينتهي، ما لم تستخدم روسيا كل نفوذها السياسي والعسكري والاجتماعي، لكن من الممكن من حيث المبدأ أن ترفض روسيا الاقتراح الأميركي – الإسرائيلي، وتضع أثمانًا باهظة مقابل مساعدتهما في مشروعهما.

لا شك في أن روسيا تُدرك أن إخراج إيران من سورية هو قصّ لأحد أجنحتها، وقد يكون تمهيدًا لفرض حل سياسي يُفضي إلى تغيير النظام السوري، ومن ثم إخراج روسيا من سورية، لكنها في نفس الوقت لا تمتلك الأدوات التي تساعدها على رفض المطلب الأميركي – الإسرائيلي، وهي أضعف من أن تقف في وجه هاتين الدولتين، لذلك من المتوقع أن تُناور روسيا إلى أبعد الحدود وتُميّع المسارات، خاصة أن الدبلوماسية الروسية ماهرة في المناورة وإغراق الأطراف في التفاصيل، والمماطلة وتضييع الوقت.

حاولت إيران، منذ ما قبل استلام بشار الأسد السلطة بالوراثة عن أبيه، أن تصنع نفوذًا لها في سورية، وكثّفت هذه المساعي خلال سنوات الحرب الثماني الماضية، فدعمت النظام السوري سياسيًا وعسكريًا، وزوّدته بميليشيات إيرانية وعراقية ولبنانية وأفغانية، وحاربت معه، وقدّمت له مساعدات مالية وعسكرية ولوجستية، مقابل أن يسمح لها بالتحكم جزئيًا في القرار السياسي والعسكري، ويقدّم لها تسهيلات اقتصادية غير محدودة، وكذلك أن يغض الطرف عن مساعيها التشييعية التي تهدف إلى اختراق المجتمع السوري وتغييره ديموغرافيًا وإثنيًا.

عملت إيران، خلال ثماني سنوات، على توسيع نفوذها في كافة الأراضي السورية، واعتقدت روسيا بأن لا ضير في أن تعبث إيران في مناطق سيطرة المعارضة السورية، لكن ما لم تكن روسيا تحسب له حسابًا هو التغلغل والتوسع باتجاه الساحل السوري، معقل الأسد وأنصاره، فصارت تريد مصفاة نفط بانياس، وتريد إنشاء ميناء عسكري فيها، وتريد استثمار مطار دمشق الدولي، بعد أن سيطرت عليه وتحكمت فيه عسكريًا، كذلك، قدّمت إيران للنظام السوري قروضًا تقارب 8 مليارات دولار، أرغمت الأسد بموجبها على عدم رفضه لأي عرض إيراني لاستثمار وتشغيل منشآت النفط والغاز والفوسفات وغيرها.

في الوقت نفسه، لم تتوقف إيران مباشرة وعبر أذرعها الميليشياوية، كـ “حزب الله” و “فاطميون” و “زينبيون” وغيرها، عن السعي لتشييع السوريين وتغيير مذهبهم، واستقطاب الطبقات الاجتماعية الأفقر والأكثر حاجة في مشروعها الديني، لتُسيطر على المجتمع، إلى جانب سيطرتها على الأمور العسكرية والأمنية والاقتصادية.

خلال الأشهر الأخيرة، احتكت القوات الروسية والإيرانية وقوات النظام السوري مرات عدة، وتقلّبت روسيا كثيرًا بين منع إشراك الإيرانيين في معارك إدلب شمال سورية أو السماح لهم، وراقبت كيف يحشد الإيرانيون مقاتليهم بالقرب من الحدود السورية العراقية، ومناطق في الجنوب في الجولان قرب الحدود الإسرائيلية، وهذه التحركات والمواقف أوضحت أن لدى إيران خططًا مضادة لأي ضغوط ترمي إلى اقتلاع وجودهم العسكري من سورية، وربما لن يتوانوا عن توظيف ميليشياتهم في مقاومة الروس، إن هم اضطروا إلى ذلك.

لم يعد في إمكان روسيا إنكار محدودية قدراتها في سورية، وبخاصة مع امتناع الدول كافة عن التعاون معها، طالما أنها اتخذت من إيران حليفًا لها، وعملت على إبعاد تركيا عن المعسكر الغربي، وأحجمت عن الضغط على نظام الأسد ليقبل بالحلول الدولية والأممية، وبات بيد روسيا ورقتان فقط: إيران ونظام الأسد، وهما ورقتان ليستا ذات قوة كبيرة، إن لم تكونا ورقتين محروقتين.

في المقابل، لم يعد بإمكان الولايات المتحدة أن تنفي ضرورة التنسيق مع روسيا، وحاجتها إليها لمواجهة إيران ونفوذها في سورية، فالعقوبات الأميركية والغربية ضد إيران لم تعد تكفي وحدها، ولا بدّ من التعاون مع روسيا لإرغام النظامين السوري والإيراني على تقديم تنازلات واضحة وجذرية، ومن المتوقع أن تعرض الولايات المتحدة على روسيا حلًا وسطًا، عبر القبول ببقاء الرئيس السوري حتى نهاية ولايته الرئاسية، مقابل إخراج إيران من سورية والموافقة على انتقال سياسي عبر دستور جديد يقلّص صلاحيات الرئيس ويعيد هيكلة الأجهزة العسكرية والأمنية، ويخلق بيئة مناسبة لانتخابات حرة مراقبة دوليًا.

لكن المعارضة السورية تخشى أن يوافق الأميركيون على تقديم إغراءات للنظام السوري أكثر من المتوقع، ليقبل بانسحاب الإيرانيين واقتلاعهم من قطاعات الدولة والمجتمع في سورية، قد تصل إلى “إنهاء عزلة سورية الدولية” وفق وصفة جيمس جيفري، الدبلوماسي الأميركي والخبير في القضايا الاستراتيجية في الشرق الأوسط، لكن هذه المخاوف تنفيها المواقف والتصريحات الأميركية الرسمية التي تؤكد أن مسار جنيف هو الحل.

ترغب الولايات المتحدة وأوروبا في الإعلان عن نهاية مسار أستانا الروسي، والعودة إلى مسار جنيف، حيث يكون التأثير الغالب في حلّ الأزمة السورية للدور الدولي وليس لروسيا، وحيث يضمن هذا المسار تحقيق الانتقال السياسي في سورية، واستقرار المنطقة وفق قوانين دولية ومراقبة وإشراف دولي وأممي، بعيدًا من محاولات الاستفراد الروسي في المنطقة، وربما يكون اجتماع القدس المقبل هو الخطوة الأولى تجاه هذا المسار، لكن ما يعرقلها هو تطلّع بوتين إلى صفقة تشمل سورية وأوكرانيا وغيرهما، تتمثل بتعاون روسيا ونظام الأسد في إخراج إيران من سورية، مقابل مساهمة أميركية في تحريك الحل السياسي بما يتناسب مع الشروط الروسية.

بكل الأحوال، سواء وافقت روسيا صاغرة على المساعي الأميركية – الإسرائيلية لإخراج إيران من سورية أم لم توافق، فإن أي شيء خرج أو سيخرج من اجتماع القدس سيكون ضربة موجعة لروسيا، لأن مساحة مناورتها ضيقة، وأصبحت في وضع تبحث فيه عن حلول، أو أنصاف حلول، فقد استثمرت مئات مليارات الدولارات في سورية، والرأي العام الروسي لم يعد يدعم بقاء روسيا في سورية، والحليف التركي متردد في التخلي عن التحالف مع الكرملين لصالح التحالف مع البيت الأبيض، كما أن استمرار التدخل الروسي في سورية على نفس المنوال لن يوصل الرئيس فلاديمير بوتين إلى مكاسب استراتيجية أكثر مما وصل إليها على الإطلاق.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق