أدب وفنون

كارثة الأب

ليس من عادتها أن تترك طفلها البالغ سنة ونصف من العمر، وحده مع والده، لكنها اضطرت هذا المساء إلى تركه برفقة والده، قبل خروجها إلى بيت جارتها لتساعدها في ترتيب غرف بيتها، وقد انتقلت إليه صباحًا.

أوصت زوجها وألحت عليه كثيرًا أن يعتني جيدًا بطفلهما، ريثما تعود بعد ساعات قليلة، وترّجته أن يتصل بها إن حدث أيّ طارئ للطفل، كي ترجع فورًا من بيت جارتها الملاصق لبيتها.

بعد أن خرجت الأم واطمأن الأب لابتعادها، نظر إلى طفله في حضنه، تبادل معه الابتسامات، ثمّ شدّ من يده دميته، لوّح بها الأب وقذفها بعيدًا، قال له وكأنه يتحدث مع كائن في مثل عمره:

ــ كم هي مزعجة هذه المرأة! وأخيرًا، أنا وأنت لدينا هذا المساء استراحة عن أمك، أتعلم يا عزيزي أنها المرة الأولى التي نبقى فيها معًا وحدنا دون أمك، منذ ولادتك؟

ضحك الأب، ثمّ هزّ طفله منتشيًا وهو يصيح به فرحًا:

ــ سوف آخذك في مشوارٍ جميل، نتفرج على الجميلات في الشوارع، بعيدًا عن أمك ودمها الثقيل، هيا بنا..

انكمش الطفل في حضن والده بخوف صامت، وسرعان ما ضم الأب طفله إلى صدره، ومضى به ليخرجا من البيت.

كان المساء ربيعيًا والطقس جميلًا، تشوبه برودة متواضعة. تجول الأب طويلًا في شوارع السوق، صعد الدرجات ليزور مكتب صديقه المحامي، ثمّ جلس في مقهى قريب، بعد ذلك توجه إلى الحديقة العامة التي دخلها مع غياب الشمس، كانت زوجته تتصل به بين الفينة والأخرى لتطمئن على طفلها، غضبت عندما عرفت أن والده اصطحبه في مشوار خارج البيت، لتبدأ مخاوفها الغامضة بالتكاثر رويدًا رويدًا في روحها. إلى أن وبخها زوجها على الهاتف، بعد أن جلس على مقعد في الحديقة، وقد ضاق ذرعًا باتصالاتها المتكررة، وكأنه قد اصطحب ابنه إلى أمكنة مضرة بصحته.

شعر الأب في عتمة الحديقة أن الجو صار باردًا، كانت الحديقة خالية من البشر وكأنها مكان مهجور، أشعل سيجارة وعبّ منها ببطء، ثم انتبه إلى أن طفله لم ينبس بحرف أو حركة منذ وقت جيد، ظن في البداية أنه نائم، هزه بلطف محاولًا إيقاظه، سرعان ما سقط رأس طفله للخلف.

انتصب واقفًا وهو يتفحص طفله مرتبكًا، رمى سيجارته جانبًا وصوت خفقات قلبه يعلو، وكأنها قنابل تنفجر تباعًا، هزّه بشدة وهو يحدثه متلعثمًا، إلى أن تأكد أن طفله قد فارق الحياة.

انهار الأب على المقعد وأجهش بالبكاء، وهو يحضن طفله الوحيد إلى صدره في عتمة الحديقة. بكى طويلًا، نهض ومدد الجثة الصغيرة بيأسٍ على المقعد، وراح يمشي في العتمة ويدور مثل مجنون حول المقعد.

سأل نفسه مقهورًا أسئلة عديدة، كان يختنق بوحشة مريعة أمام الجثة الصغيرة، لم يفهم لماذا مات طفله في حضنه، في أول مشوار لهما معًا منذ ولادته، تحدث مع الأشجار وكأنه فقد عقله في العتمة، لا أحد أجابه في ليل الحديقة.

راح خياله يؤلف السيناريو الوحيد المحتمل بعد رجوعه إلى بيته مع جثة طفله، ودخوله بها إلى زوجته، كان السيناريو سوداويًا للغاية، لكنه حقيقي، أيقن أن هذا ما سوف يحدث بعد قليل. ردد كلماته متلعثمًا والندم يفتك بروحه، التقط جثة طفله وشدها بقوة إلى صدره.

خرج من الحديقة يجر رجليه متعبًا، واتجه إلى بيته متمنيًا ألا يصله، تماسك وهو يخبر زوجته على الهاتف في اتصالها الأخير أنه في الطريق إلى البيت مع طفلهما.

شارعًا تلو الآخر كان يتخيل زوجته بعد اكتشافها موت صغيرها، بعد أن ترى هذه الجثة الصغيرة، انفطر قلبه بين الشوارع. وذلك اليأس العظيم يقضم قلبه بأنياب حادة.

وصل إلى البيت في منتصف الليل، وقف قليلًا أمام الباب وبكى بصمت، ابتلع دموعه ودخل البيت كمن يدخل كارثة كبيرة.

في غرفة النوم، انتبه إلى زوجته نائمة على السرير، وقد غفت بعمق بعد أن تعبت كثيرًا لساعات في مساعدة جارتها.

اقترب بهدوءٍ ليمدد طفله جانب أمه ويغطيه بذات الغطاء، ثم استلقى جانبه ليصير الطفل بينهما في الوسط، حشر الأب رأسه تحت الوسادة وشرع في بكاءٍ مرير وأخرس، وهو ينتظر أن تلتفت زوجته لتكتشف أن طفلها جانبها جثة باردة، وتبدأ مأساة حياتهما التي لن تنتهي إلى الأبد.

بكى ساعات بكاءً مخنوقًا في عتمة غرفة النوم.

في الصباح الباكر، تسلل ضوء الشمس بخجل من نافذة الغرفة، استيقظت الأم وتمطت بكسلٍ قليلًا، بينما الأصابع اللينة لطفلها تتسلل إلى وجهها لتلهو بملامحها، استدارت إليه وقبّلته على ابتسامته الواسعة في وجهه، سرعان ما أخذته بهدوء عن السرير وذهبت به إلى الحمام، لتعد له حمامًا دافئًا أنعشه وأفرحه كثيرًا، وهو يلهو مع ألعابه في حوض الماء، أطعمته في غرفة الجلوس بعد أن ألبسته ثيابًا جميلة، كان طفلها سعيدًا يرميها بكلمات لا تفهمها لكنها تشعر بها وتغمر قلبها بالفرح.

حملت طفلها عن الأريكة وحضنته إلى صدرها وهي تقبّله.

مشت الأم وطفلها يلوح بدميته في حضنها إلى غرفة النوم، وهي تنوي أن توقظ زوجها، تأخر في نومه على غير عادته.

انحنت مع طفلها على زوجها فوق السرير لتهزه بلطف من كتفه، وهي تتحدث معه، لكنه لم يستيقظ، هزّته من كتفه وهي تنادي عليه، لكنه لم يسمعها.

تأملت وجه زوجها الشاحب وعينيه الجاحظتين من فوق رأس طفلها، شهقت وهي ترجع للخلف وتسقط أرضًا مع طفلها، علا بكاءُ الصغير وهو يغمض عينيه، أجهشت الأم بالبكاء وهي تغمض عينيها.

على مقربة منها ومن طفلها، على السرير، ظل الأب يحدق في الفراغ، بعينيه الباردتين.

إسطنبول 21/5/2019

اللوحة للفنان السوري طلال أبو دان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق