مقالات الرأي

سورية مجرّد تفصيل في لوحة إقليمية متحوّلة

تعيش منطقتنا مرحلة حاسمة من التحولات التاريخية المعقدة التي قد تستمر عدة عقود، قبل أن تتبلور في اتجاهاتٍ مستقبلية تشكل جزءًا مساهمًا في التطور العالمي المتسارع في شتى المجالات، لن يقتصر ما سبق على تحديث أنظمة الحكم، بل سيتضمن تحرّرًا غير مسبوق للأفراد والمجتمعات، وتطورًا لهيئات المجتمع المدني والأحزاب ومجموعات الضغط، كقوى فاعلة في عملية التحول التاريخية هذه.

تأخرت مجتمعاتنا كثيرًا عن اللحاق بركب التطور؛ بسبب تشكيلة استبدادية دنيوية – دينية فريدة من نوعها، أدخلتنا في حلقة سياسية شبه مفرغة، وذلك خلال تاريخٍ طويل من التآزر فيما بينها للقبض على السلطة. ليس تاريخنا استثناءً مطلقًا، بالطبع، وعاشت شعوب أخرى ما يشبه هذه الحالة، لكن ما يميز هذه المنطقة هو تأخرها عن الركب إلى هذا الوقت، فقد تحررت شعوب دول أميركا اللاتينية من الدكتاتوريات العسكرية في نهاية القرن الماضي، وانتقلت شعوب دول جنوب شرق آسيا، في أواخر القرن الماضي وبداية القرن الحالي، إلى مرحلة متقدمة تحققت فيها طفرة اقتصادية هائلة، وحققت بعض بلدان القارة الأفريقية إنجازاتٍ ديمقراطية لا يُستهان بها.

ومنذ انطلاق الموجة الأولى من ثورات الربيع العربي (2011)، تعيش منطقتنا تحولات هي من العمق بحيث يمكن مقارنتها بالثورات التي اجتاحت أوروبا في أواسط القرن التاسع عشر (1848)، ونجم عنها تحولات ديمقراطية متتالية كانت الثورة الفرنسية (1789) قد وضعت حجر الأساس لها، وقادت إلى المشهد السياسي والاجتماعي السائد حاليًا في دول القارة العجوز. لكن واقعنا، بالمقارنة مع أزمات حادة وحروب أهلية في مناطق أخرى، كيوغسلافيا السابقة، يبدو أكثر تعقيدًا ودموية، بحكم التأخُّر النسبي في معظم مناحي الحياة.

وفي غمرة ما يحصل الآن، ستحدث الكثير من التحولات التي تبدو وكأنها عدمية ومعدومة الأفق، بيد أنها فتحت وستفتح الباب واسعًا أمام حرية التعبير والمشاركة في القضايا العامة، ما يمهّد الطريق لنشوء قوى اجتماعية وسياسية قابلة للحياة، ويمكنها، بعد تراجع العنف وتوفر درجة أكبر من الأمان، العبور إلى المستقبل من خلال اعتماد أشكالٍ من الديمقراطية واللامركزية تتناسب وظروف كل بلد. وبكلام آخر: إن جميع القوى المتصارعة الحالية ليست سوى وقود للنار المستعرة، أو التي ستندلع، قبل أن يشق الجديد الناشئ طريقه بقوة وثبات في الرماد الخصب الذي ستتركه حرائق الثورات.

من الناحية السياسية، يتمثل جوهر التحولات الجارية بما يمكن وصفه بـ “التحطيم التاريخي” للأنظمة الاستبدادية، وتحول الحطام الاستبدادي، مؤقتًا، إلى “عصابات مستبدة” تتصارع فيما بينها، كمرحلة انتقالية باتجاه الديمقراطية. ينطبق ما سبق على معظم بلدان الموجة الأولى لثورات الربيع العربي (ليبيا واليمن وسورية)، وبصورة أقلّ على بلدان الموجة الثانية (الجزائر والسودان)، وقد لا يقتصر عليها، فالتغيير سيشمل أنظمة الحكم الخليجية، ولو بطريقة أبطأ على الأغلب، لكن في الاتجاه ذاته. وفي كل حالات التغيير المرتقبة هذه، سيتساوق دور الدين مع الصيغ السياسية الناشئة، كما ستعمل اللبرلة المضطردة في مختلف مناحي الحياة، على تأمين فرص أكبر للفرد من أجل تحقيق ذاته وتطور شخصيته.

ولن تكون التطورات على وتيرة واحدة؛ ستتسارع أو تتباطأ، وتشهد حدوث ظاهرة الدينامو بين فترة وأخرى، كما جرى في تتالي اندلاع ثورات الربيع العربي، وبما يشبه ظاهرة الزلازل وارتداداتها، إلى أن يحصل الاستقرار. كما ستشكل كل عملية تقدم ناجحة حافزًا للتقدم في الاتجاه التاريخي العام للتحول من الاستبداد إلى الديمقراطية، بحيث يؤدي حل كل عقدة – أزمة في مكانٍ أو بلدٍ ما، إلى تسريع الانفراجات في كامل اللوحة الإقليمية، بينما تعمل الإحباطات المأسوية، كما في الحالة السورية، على كبح حركيات التغيير، ولو إلى حين.

بالعودة إلى المشهد السوري الذي يتصدّر هذه اللوحة القاتمة، ولا يسمح لنا إلا بمجرد الحلم بوطن ما زال في مهب التعسُّف الداخلي والتجاذبات الدولية، فإنّ المآل في نهاية المطاف لا بدّ أن يكون في ذات سياق التطورات والتحولات الجارية في المنطقة. وربما تتحول فرادة الحالة السورية، فيما يتعلق بحجم الموت والدمار، إلى فرادةٍ جديدة في مرحلة الاستقرار، نتيجة لاستنفاذ محاولات الزجّ بالكثير من التجارب والصيغ السياسية غير القابلة للحياة، ما يختصر الطريق نحو المستقبل. من هذا المنظور المتفائل، تبدو كل المآسي الحالية مجرد سحبٍ قاتمة وعابرة، بما في ذلك متاهات الانتماءات القاتلة التي يتخبط فيها السوريون وشتاتهم في أصقاع الأرض.

في تراتبية المسؤوليات التي أوصلتنا إلى هذه الحال، يبرز دور الاستبداد في المقدمة كعامل تفتيت مديد للبنية الاجتماعية، لكن ذلك لا يعفينا من التفكير مليًّا في أسباب عدم قدرتنا، كحاملين للهمّ الوطني، على صوغ أي شكل من أشكال التأثير والفعل في سير الأحداث، والتعبير عن رأي عام سوري مستقل طوال أكثر من ثماني سنوات، وإن تجاربنا في الانتظام السياسي خلال هذه الفترة عادت إلى نقطة الصفر، من حيث القدرة على الإنجاز في ملعب الوطنية السورية.

المتهم الثاني في هذا السياق هو التدخلات الإقليمية التي عملت على استخدام السوريين ككبش فداء لصراع ذي واجهة مذهبية. ثم حضر العامل الدولي بقوة كعامل غير ملائم؛ بسبب تضارب مصالح دوله الفاعلة، التي لم تقم بما يترتب عليها في مثل هذه الصراعات، مع أنها ساهمت، إلى حدٍّ ما، في لجم التدخلات الإقليمية والحدّ من مذهبة الصراع.

على العموم، تعدُّ المسألة السورية جزءًا لا يتجزأ من اللوحة الإقليمية القاتمة والواعدة؛ قاتمة لأنها ما زالت تتخبَّط في الصراعات والحروب، ولم ترتسم المخارج منها بعدُ، وواعدة لأن المخارج المنتظرة ستأخذ المنطقة من حالة الركود السياسي والاجتماعي والفكري إلى آفاق التحرر والتقدم والسير في ركب البلدان الأخرى التي سبقتنا في ميادين التمدُّن والتعليم والتعلُّم. ومع ذلك، لا يجب أن نقلّل من مخاطر ومفاجآت المراحل الانتقالية، كممرات وعرة لا بد من عبورها على نحو غير متساوق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق