هموم ثقافية

مقاومة الغياب.. اللغة كملاذ أبدي

ما إن يقع الشقاق بين الإنسان ووطنه، بالهجرة أو اللجوء والنفي، حتى تأتي اللغة لتلأم هذا الصدع، ولترتق الجراح التي يخلفها البعد، وتساعد في مواجهة ما يطلق عليه أحد كتاب المنفى “خفة الوجود التي لا تطاق”. حيث تفقد كل ما يربطك بالمكان، هذا الغياب الذي يلقى في روع الكائن لا يمكن الخلاص منه ولا تسكين ألمه إلا من خلالها، فهي بحسب أرسطو “تحوّل المحسوسات إلى مدركات، وتحول المدركات إلى محسوسات”.

يذكر عبد الفتاح كيليطو في (لسان آدم) أن أول قصيدة مرتبطة بالفقد: “كان هنا كائنًا ثم ما عاد كائنًا”، قد كتبها آدم في تفجعه على ابنه هابيل، وهي تحكي التبدل والخراب. فما كان منتظمًا صار الآن ركامًا من الأشياء المبهمة، فقد أظهرت الأرض وجهًا قبيحًا ومقلقًا “ورجفتْ بما عليها سبعة أيام”.

فالغياب، وهو “بعدٌ مؤقتٌ عن مكان وعدم الوجود، حيث يكون الحضور ممكنًا وواجبًا”، يصيب الكائن البشري بالذعر والحزن، وهنا تصبح اللغة وطنًا بديلًا، ويرفض المنفي أن يدون جراحه إلا من خلالها.

كتب دوبلن: “أنا أقرأ كما يقرأ اللهيب الخشب”. لقد عانى صاحب رواية (برلين – ميناء الإسكندر) الذي فر من ألمانيا بفعل تهديد النازية إلى فرنسا ثم الولايات الأميركية، عزلةً لأنه عجز عن إيجاد لغة مشتركة في أرض مضيفيه.

اللغة -بحسب هيدجر- هي “بيت الوجود”، وهي منفًى للكائن الغريب والمغترب على حد سواء. كما أنها ليست أداة تعبير أو خدمة للفكر بل “استحضار الكينونة وتكشفها في منجزات القول”. وبهذا التقريب يكون الوطن البعيد في المتناول، فمن يملك لغةً يملك وطنًا”.

يحلم غاستون باشلار بلغة مؤنثة، ويرى أن الكلمة “برعمٌ يطمح إلى أن يكون غصينة”. وهو يعشق الكلمات التي تفوح منها رائحة هري الشعير، وبيت المؤن، كل هذه الأشياء التي كانت في حواسي وقلبي “تتحول إلى لغة”.

بالنسبة إلى مانغويل، “في سنواتنا الأولى، تبدو اللغة لنا بشكل سحري، وكأنها لا تحتل الزمان فحسب بل المكان أيضًا، كالماء والسحب”. في اللغة –اللغة فقط- يعثر الراشدون على العالم الذي فقدوه.

حين أخذت الأشياء تظهر لعينيه كظلال، أيقن بورخيس أن عالمه لا يمكن استعادته مضاعفًا سوى من خلال الحلم والذاكرة. في قصة له عنوانها (ليلة الهبات) يقول: “لقد رويت هذه القصة عشرات المرات، ولا أدري إذا كنت أتذكرها كما هي. أم أتذكر كلماتي فقط”. فالعالم مزيجٌ من الأشياء المتنافرة، التي توحدها اللغة. والخوف من المكان جعل كتابة بورخيس تضاعف المعنى والزمن، حيث يمكن لبيت من الشعر أن يزعزع عرش ملك إيرلندا ويحوّل الملك إلى شحاذ. ومع أنه تعلم القراءة باللغة الإنكليزية، باعتبارها لاتينية مضيئة، فإنه كتب شعره باللغة الإسبانية. فإذا كان الوطن قد فُقد للأبد، والمكان قد أصابه الخراب أين يمكن للكائنات أنْ تتجاور؟

يجيب فوكو: “في مكان خارق وصقيل، تفتح اللغة مدنًا ذات شرفات، وحدائق حافلة بالزرع، وبلدانًا سهلة حتى لو كان دخولها وهميًا”.

بشرط أن يعترف بغلطته، ويدفع غرامةً ماليةً. ويطلب الغفران في حفل رسمي (حيث يسير النادمون حفاة الأقدام) قبلتْ فلورنسا إرجاع دانتي. رد دانتي بمرارة أنه سيرى “الشمس والنجوم في كل مكان”. وكتب في منفاه عن طفولته (موت أمه – زواج والده)، وهو يقول عن نفسه بعد النفي إنه انتقل من مكان إلى آخر، “كسفينة دون شراع أو ملاح”. لقد كانت لغته رازحة تحت ثقل الانتقام، وحروفه تنز قسوةً. فالعدالة فات أوانها وانتقام المنفي قاس ومر.

لم يحب مكانًا في الأرض كما أحب إيطاليا، فهي المكان الجميل الذي نام فيه كالحمل. ومع ذلك لم يتكلم دانتي بعنف وقسوة، كما تكلم عن إيطاليا وفلورنسا، ووصفها بأنها “غابة بائسة، مليئة بالحسد، أهلها لصوص ووحوش، وهي جديرةٌ أن تسمى مدينة الشيطان”.

لا تتيح اللغة لنا زمانًا وحسب، بل تتيح لنا مكانًا في الزمان والمكان على حد سواء.

في القرن السادس عشر، حكم على “تولسيداس” أعظم شعراء الهندوس، ومؤلف (رمايانا) التي تتضمن ملحمة هانومان وجيش القردة التابع له، بالسجن في برج حجري. من نافذة زنزانته ألقى تولسيداس قصيدته بصوت عال، فخرج من الإلقاء الإله وجيشه الذين اقتحموا البرج وحرروا مبتكرهم.

كتب دوبلن ذات يوم: “وأنا أجلس الآن أكتشف أن الكارثة لم تسلبني بل ألهمتني، وهذا العالم الذي حرمت منه أعيد بناءه”.

يثبت الأدب أن الأوطان تبنى من لغة لا من حجارة، وفوق هذا الواقع المفتقر إلى العدالة يوجد واقع آخر. واقع لغوي يخلقه الكائن ويلوذ به، وهو يتخلق في خيال كل منفي بطريقة خاصة. يقول أبقراط: “يداوى العليل بحشائش أرضه”. في واحدة من خيالات كولردج، شخص ما يحلم بأنه يقوم برحلة في الجنة، فتقدم له زهرة. وفي اليقظة يجد الزهرة في يده “الزهرة هي اللغة، والجنة هي الوطن المفقود”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق