مقالات الرأي

الإدماج الديمقراطي للاجئين السوريين: التزام دولي لا منحة

ابتداءً من عام 2001 جعلت الأمم المتحدة يوم 20 حزيران/ يونيو، من كل عام، اليومَ العالمي للاجئين، لتسليط الضوء على مشكلات اللجوء التي يعيشها اللاجئون في المجتمعات المضيفة، ومن أهمها إشكالية الإدماج في المجتمعات المضيفة.

تحضر إشكالية إدماج السوريين اللاجئين الموزعين في أغلب دول العالم، نتيجة الحرب التي شنها النظام الأسدي منذ ثماني سنوات وما تزال مستمرة حتى الآن، حيث أُجبر نحو نصف سكان سورية على مغادرتها، طالبيين اللجوء والحصول على الحماية والأمان والعيش بكرامة، في دول الجوار العربية وتركيا والدول الأوروبية ودول أخرى.

ينطبق على السوريين اللاجئين كافة ما جاء في اتفاقية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين لعام 1951، التي تعرّف اللاجئ بأنه كل من يخرج من وطنه، نتيجة الحرب والكوارث أو التعرض للاضطهاد بسبب عرقه ودينه أو انتمائه السياسي، ولا يستطيع العودة بسبب ذلك الخوف، ومن حقه طلب الحماية واللجوء في البلدان المضيفة، وبخاصة الموقعة على هذه الاتفاقية.

وقبل الحديث عن الواقع الفعلي للاجئين السوريين في الدول المجاورة والأوروبية كونها الأكثر استيعابًا للسوريين، لا بد من تحديد مفهوم الإدماج سوسيولوجيًا.

يطلق عالم الاجتماع الفرنسي آلان تورين، على المجتمع الذي يفتقر إلى مقومات الإدماج الديمقراطي “مجتمع الإدماج بالقسر والقوة”، أما بالنسبة إلى عالم الاجتماع الأميركي تالكوت بارسونز، فإنه يعدّ الإدماج أحد وظائف النسق الاجتماعي العام الذي يضمن التنسيق بين مختلف أنساقه الفرعية، من أجل استمرار فاعليته في عملية الإدماج الديمقراطي، ويتم التعبير عنه من خلال التفاعلات بين مختلف عناصره، من خلال أفعال ملحوظة تؤدي إلى الإحساس بالتماثل معه والانتماء إليه. ويرتبط الإدماج بأنساق اجتماعية عديدة مثل العائلة كمؤسسة للتنشئة الاجتماعية، وتوفر فرص العمل كعامل أساسي من عوامل الإدماج، وممارسة القانون في المؤسسات المجتمعية كافة، كمجموعة من الحقوق والواجبات التي تربط الفرد بالآخرين وبالمجتمع ككل.

الإدماج الديمقراطي لا يعني توحد وانصهار الأفراد اللاجئين في المجتمع المضيف، وإنما يعني حرية الأفراد والجماعات في الانتماء إلى مجتمع محدد، بعيدًا من عمليات الإدماج القسري والتسلط والإقصاء والتهميش للاجئ.

إن ما يضمن استمرار أي كيان اجتماعي في الحياة والحفاظ على استمراريته، من منظور سوسيولوجي، هو الإدماج الاجتماعي الديمقراطي الفعلي القائم على مبدأ المشاركة الفعلية والفعالة للأفراد والجماعات، في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وخصوصًا بالمشاركة في إزاحة بعض المعايير الاجتماعية التقليدية غير الصالحة لمواكبة العصر، وإبداع المعايير الاجتماعية الحداثوية والقيم المشتركة، وفي إنتاج الثروة المشتركة والاستفادة العادلة من منافعها من قبل المواطنين كافة (أصليين ولاجئين) إضافة إلى رفض كل أشكال الإقصاء والتمييز استنادًا إلى معايير سياسية، اجتماعية، قومية، دينية، مناطقية… إلخ، وتأسيس مؤسسات اجتماعية حداثوية وديمقراطية تقوم على إدماج اجتماعي ديمقراطي لكل أفراد المجتمع، باعتبارهم مواطنين أحرارًا متساويين في الحقوق والواجبات.

اعتمدت الدول الديمقراطية المعاصرة، ولا سيما الدول الأوروبية، سياسة الإدماج الديمقراطي، التي تقوم على احترام هويات الأفراد والجماعات، وفي الوقت نفسه تحرص على حرية التعبير عن هذه الهويات في الفضاء الوطني العام. من خلال مجموعة من المعايير، وأولها امتلاك أفراد المجتمع وعيًا مشتركًا، حيث يتقاسمون المشاعر والمعتقدات والممارسات المشتركة، ويتفاعلون فيما بينهم بكل حرية، إضافة إلى الأهداف المشتركة التي يسعون لتحقيقها.

وفي الوقت نفسه، لا يعني الإدماج الديمقراطي في الدول المضيفة ذوبان الذات الفردية للاجئ، ضمن الذات المجتمعية للمجتمع المضيف أو سلبها الاستقلالية، وإنما ربط الذات الفردية بذات الجماعة الديمقراطية التي ترسي عملية الإدماج الديمقراطي، أي إرساء المواطنة التي تفترض في المقام الأول حرية الاختيارات السياسية، واحترام الهويات المتعددة والحاجات والحقوق للمواطنين كافة، والاعتراف بحق الأفراد والجماعات في أن يكونوا صانعين لتاريخهم (صانعين لذاتهم، ولحياتهم الفردية والجماعية) وليس أن يتحرروا من قيودهم فحسب.

استنادًا إلى هذا التصور السوسيولوجي الديمقراطي للإدماج، يتضح الجواب عن السؤال الإشكالي: لماذا اندمج معظم اللاجئين السوريين إلى حد ما في المجتمعات الأوروبية بشكل فعال، مقارنة بالموجودين في بعض الدول العربية وتركيا، على الرغم من وجود أنساق القيم الاجتماعية والدينية والثقافية المشتركة، التي تكاد تختفي في المجتمعات الأوروبية، وقد تمظهر ذلك من خلال ما يلحظ من تفوق الطلبة اللاجئين السوريين في المستويات التعليمة كافة، والحصول على المراكز الأولى والجوائز في العديد من الدول الأوروبية، وكذلك الأمر في العديد من المؤسسات المهنية والخدمية بشكل عام. وهذا لا يمنع من الحديث عن بعض الأفعال العنصرية غير الحكومية في أوروبا، وبخاصة في مواسم الانتخابات البرلمانية والبلدية، من قبل بعض التيارات السياسية اليمينية المتطرفة.

في الواقع، تبيّن أن للبعد القانوني دورًا أكثر فاعلية في عملية الإدماج، من الأبعاد القيمية الدينية والاجتماعية المشتركة، من خلال وجود مؤسسات قانونية تمنح اللاجئين مجموعة من الحقوق (حرية التنقل، التعليم، الرعاية الصحية، العمل، استخدام مرافق الدولة المضيفة، وحدة أسرة اللاجئ، الإقامة الدائمة، والحصول على الجنسية لمن يرغب في المستقبل) التي تتوافق مع الحقوق الممنوحة للمواطنين الأصليين، وهذا يعود إلى اعتماد الدول الأوروبية على اتفاقية اللاجئين لعام 1951، التي صدّق عليها 145 دولة، وهي الوثيقة القانونية الرئيسية التي حددت بوضوح حقوق اللاجئين التي تساعدهم في الاندماج في المجتمعات المضيفة، وتضمنت أيضًا مبدأ “عدم الإعادة القسرية”، إذا كان هناك خطر على حياتهم أو حريتهم، بشكل إجباري، وقد تم تشكيل مفوضية حقوق اللاجئين التابعة للأمم المتحدة عام 1951، لتعمل على تنفيذ المبادئ المتفق عليها في اتفاقية 1951 وبرتوكول 1967.

بينما وجدنا غياب عوامل الإدماج في الدول العربية التي لجأ إليها السوريون في فترة الحرب، بشكل متفاوت من دولة إلى أخرى، على الرغم من توفر نسق القيم الاجتماعية الدينية والثقافية المشتركة بينهما، حيث يعاني معظم السوريين اللاجئين فيها من غياب مطلق للوضعيات القانونية، ومن حرمانهم من حقهم الطبيعي في اللجوء والأمن الإنساني، ففي لبنان لوحظ عدم انخراط اللاجئين السوريين في المجتمع اللبناني، نتيجة عدم تقبل المؤسسات الحكومية للنظام اللبناني لهم، بل تم تهميشهم والنظر إليهم من قبل بعض اللبنانيين نظرة دونية، وكثيرًا ما مارسوا عليهم أفعالًا عنصرية، ووصل الأمر إلى أن أصبحوا شماعة فشل المؤسسات الحكومية، فأزمة التعليم والكهرباء والماء وازدحام الطرقات.. إلخ سببها اللاجئون السوريون!! فضلًا عن ترحيل العديد من السوريين حتى المنشقين والمطلوبين أمنيًا إلى سورية، قسريًا، ليواجهوا الموت المحتّم أمامهم. وإظهار اللجوء السوري إلى لبنان خطرًا على الدولة اللبنانية ومستقبلها، كذلك الأمر لوحظ في الأردن بعض السلوكات العنصرية تجاه اللاجئين السوريين، ومن ذلك استغلال حاجاتهم المعيشية والزواج من القاصرات السوريات، وفي مصر، على الرغم من حديث الإعلام المصري عن حالات النجاح السوري في مصر على الصعيد المهني واعتمادهم على أنفسهم، وجدنا أخيرًا دعوة أحد المحامين المصريين للنائب العام، للتحقيق في الأموال التي جمعها السوريون، من خلال المنشآت الصناعية والتجارية والخدمية التي أنجزها السوريون في مصر.

أما في تركيا، فوضع اللاجئين السوريين أحسن حالًا، مقارنة بالدول العربية، حيث إن حق الإقامة والحماية المؤقتة والتعليم وتأسيس المشاريع الاقتصادية متوفر إلى حد ما، وفي الوقت نفسه لم يمنع ذلك من استخدام اللاجئين ورقة انتخابية بين التيارات السياسية المتنافسة، بالحديث عن أخطار وجودهم، وضرورة ترحيلهم إلى سورية في أقرب فرصة ممكنة.

أخيرًا، لا بد من التأكيد أن الحق باللجوء الإنساني والسياسي ليس منحة من هذه الدول المضيفة، وإنما هو التزام تفرضه القوانين الدولية المتعارف عليها في الأمم المتحدة، وبخاصة الدول الموقعة على اتفاقية 1951 الخاصة باللاجئين في دول العالم كافة، من خلال توفر البعد القانوني المتمثل في توفر المؤسسات القانونية ومبادئ حقوق الإنسان المستندة إلى اتفاقية اللاجئين لعام 1951 عن الأمم المتحدة التي من المفترض أن تلعب دورًا أكثر فاعلية في عملية الإدماج، من أبعاد أنساق القيم الاجتماعية والدينية والثقافية، مع التأكيد على أهميتها في عملية الإدماج الديمقراطي، في حال توفر البعد القانوني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق