مقالات الرأي

بعد هرمز… إيران لن تخرج من سورية في وقت قريب

يحلو لبعض السوريين أن يجادلوا بأن ما حدث في أجواء مضيق هرمز، حينما أسقطت إيران طائرة مسيّرة أميركية، هو مجرد مسرحية. وأن واشنطن قادرة على التعامل مع التمدد الإيراني، بسهولة، لو أرادت، وأن ما يمنعها هو استفادتها من هذا التمدد، بوصفه أداة ابتزاز للخليجيين تحديدًا.

هي نظرية أصبحت رائجة هذه الأيام، ورواجها يرجع إلى ترسخ نظرية المؤامرة في طريقة تفكيرنا كسوريين، وكأبناء لمنطقة الشرق الأوسط. إلى جانب عدم استيعاب الكثير منا لحقائق العصر الراهن، حيث يعيش العالم في تعددية قطبية، تتراجع معها مكانة الولايات المتحدة الأميركية، كقوة عظمى أولى، وتكاد تفقدها تمامًا. وما حدث في أجواء مضيق هرمز، قبل أيام، تأكيد على هذه الحقيقة.

ربما هي مفارقة مؤلمة لكثير من السوريين، أن ثورتهم التي تطلّع ثوارها الأوائل إلى النموذج الديمقراطي الغربي بتقدير كبير، تزامنت مع حالة أفول لقوة الغرب، لصالح صعود قوى عالمية أخرى، معظمها شرقية، وتحكمها أنظمة مستبدة. في مقدمتها الصين. فضلًا عن الانتقال من حالة الأحادية القطبية، إلى التعددية القطبية التي بشّر بها الكثير من الخبراء والمتخصصين طوال العقد المنصرم، لتصبح جليّة، لا مراء فيها، خلال العقد الحالي.

ما حدث في مضيق هرمز ليس مسرحية، بل هو تجسيد لتراجع القوة الأميركية. نعم، تستطيع أميركا أن تشن “حرب إبادة”، كما وصفها دونالد ترامب، على إيران، لكن الإبادة لن تنحصر بإيران فقط، بل ستطال كل الوجود الأميركي في الشرق الأوسط، وستكلف واشنطن خسائر ربما لم تُصب بها منذ حرب فيتنام. وإذا كانت إيران حريصة على عدم الانجرار إلى حرب شاملة مع الأميركيين، لأن ذلك يعني دمارًا غير محسوب العواقب على أرضها، فإن الأميركيين يبدون أكثر حرصًا على ذلك، لأنهم غير مستعدين لتحمل خسائر بشرية ومادية كبيرة، حيث تنتشر قطعهم وسفنهم وقواعدهم العسكرية في الخليج والعراق، في مرمى الصواريخ الإيرانية.

يعلم جميع اللاعبين الإقليميين والدوليين حجم الكارثة التي قد تقع في المنطقة، إن اندلعت حرب شاملة إيرانية – أميركية، لذلك لاحظنا أن دولًا عديدة تطوعت لفتح قنوات تواصل، بواسطتها، بين واشنطن وطهران: عُمان وقطر والعراق واليابان وسويسرا، وأخيرًا وليس آخرًا، بريطانيا.

قد يصعب على كثير من السوريين، الحانقين على التغلغل الإيراني في بلدهم، تقبّل حقيقة أن إيران تجاوزت عتبة من القوة، بحيث يصعب على واشنطن التعامل معها بمنطق القوة العسكرية الصرفة. فإيران اليوم، ليست عراق العام 1991. كما أن الرهان على ضربة أميركية محدودة ردًا على إسقاط طائرة الدرون، على غرار ما حدث في مطار الشعيرات بسورية، قبل أكثر من سنة، فيه درجة عالية من التقزيم لحجم القوة الإيرانية. فإيران ليست “سوريا الأسد”. هذه حقيقة مؤلمة، لكن يجب علينا استيعابها، كي لا نعيش في الأوهام، وكي نتعامل مع حقائق الواقع، بما يقتضيه هذا الواقع.

إيران قوة لا يمكن استهدافها مباشرةً، إلا بحربٍ يكون مُطلقوها على استعداد لتحمل الألم، بدورهم. وهذا غير وارد في حالة الأميركيين اليوم. ولا يبدو أن استراتيجية الاستنزاف الاقتصادي، عبر العقوبات، ستكون فعّالة بالحالة الإيرانية. فطهران كشفت عن استراتيجيتها في مواجهة هذا السيناريو، وهو أن تفتعل عوامل تصعيد، وأن تتسبب في ضرر اقتصادي متفاقم، لحلفاء واشنطن في الخليج. ذلك ما أوضحته هجمات السفن قرب شواطئ الإمارات. ولذا، فإن طهران لن تقبل بسيناريو الاختناق الاقتصادي، من دون ردّ. وسيكون الردّ في مضيق هرمز، بأن تجعل دول الضفة الأخرى من الخليج، تختنق معها. هذا ما بات جليًا بعد حوادث السفن الأربعة، في الأسابيع الفائتة.

إحدى الساحات الأمثل التي كان يمكن لواشنطن أن تستخدمها لاستنزاف إيران، هي سورية. لكن واشنطن تخلت عن معظم أوراق قوتها في سورية، وأهدتها للروس وللإيرانيين مجانًا. تمثل ذلك أخيرًا في تخلي الأميركيين عن فصائل الجبهة الجنوبية، بدرعا، في الصيف الفائت. وقبل ذلك، شجعت واشنطن السعودية على التخلي عن “حزام النار” الذي كان يمثله “جيش الإسلام” في محيط دمشق. ولم يشفع للفصائل المذكورة ما أظهرته من “اعتدال” وابتعاد من النهج “الجهادي المتطرف” الذي تخشاه واشنطن؛ فقد كانت الأخيرة تريد البقاء لنظام الأسد، فدفعت الثمن، بأن أصبحت إيران على تخوم حليفها المحبب: “إسرائيل”.

تخلت واشنطن، وتخلى حلفاؤها العرب عن أوراق قوتهم في سورية، وتركوها لقمة سائغة لإيران. واليوم يستجدون الروس كي يُخرجوا الإيرانيين من سورية، بعد أن اتضح لهم أن نظام الأسد ذاب في القبضة الإيرانية، وتحول إلى حالة هلامية، يمكن لطهران أن تتلاعب بها، بكل أريحية.

في التاريخ الحديث، لطالما كانت أفضل الطرق لإنهاك خصم قوي، هو استنزافه ميدانيًا في حرب عصابات. ذلك درس تجاهلت واشنطن في سورية، لتجد نفسها اليوم عاجزة عن لجم التمدد الإيراني، إلا بخيارات صعبة، من قبيل المغامرة في عمل عسكري مباشر، الأمر الذي لن تقدر عليه أميركا التي نعرفها اليوم، تلك التي يرفض كل أقطاب صنع القرار فيها، وفي مقدمتهم الرئيس نفسه، سيناريو الانزلاق إلى حرب شاملة بالشرق الأوسط. ليكون البديل ربما، خفض سقف التوقعات من الضغط على إيران، وتقديم التنازلات لها سرًا. لذلك لن نُفاجَأ إذا قرر دونالد ترامب، بشكل صادم، خفض سقف العقوبات على إيران كـ “بادرة حسن نيّة”. أو ربما تتيح واشنطن للأوروبيين هامشًا من الحركة، على الصعيد المالي الدولي، كي تتمكن بروكسل من إنقاذ ماء وجه الأميركيين، وأن تشتري نفط إيران، وفق آلية تجارية بعيدة عن العقوبات الأميركية. أو ربما نفاجَأ بأن ينجح أحد الوسطاء في تغيير رأي مرشد إيران، علي خامنئي، ليقبل بفتح قناة تفاوض جديدة مع الأميركيين. حينئذ ستكون الساحة السورية أحد بنود التفاوض، وسيطرح الإيرانيون أوراق قوتهم في مواجهة الأميركيين، الذين لم يُبقوا في جعبتهم “السورية” إلا (قسد) ليتكلوا عليها. وحينئذ علينا أن نتوقع أن إيران لن تخرج من سورية في وقت قريب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق