مقالات الرأي

الانتظار السوري بين التنبؤات والوقائع

“إن أي بلد يملك مصادر روسيا وعدد سكانها وتقدّمها العلمي والتكنولوجي لن يبقى على الهامش حتى إشعار آخر. فعاجلًا أو آجلًا، ستعود روسيا إلى الساحة، ولا يمكننا من الآن أن نعرف أي روسيا ستكون. فهي قد تقع في قبضة نوع من الطغيان التوتاليتاري الفاشي أو الشيوعي، وقد تستعيد دورها كزعيمة للمسيحية السّلافية أو الأرثوذكسية، وقد تنجح بعد العديد من الجهود الفاشلة في إنشاء ليبرالية روسية، وقد تستأنف طموحاتها الاستعمارية السابقة أو ترفضها. لكن يمكن الجزم بما يلي فقط: أيًا كان النظام الذي سيحكم روسيا، عندما تستعيد عافيتها، فإنه سيهتمّ بشكل حيوي بالشرق الأوسط، تلك المنطقة غير البعيدة من الحدود الجنوبية لروسيا، وتربطها أواصر تاريخية ودينية وثقافية مع عناصر مهمة من الشعب الروسي، من بينهم اليهود والمسلمون، إضافة إلى المسيحيين.” 124-125.

هذا النص كتبه المؤرخ الإنكليزي اليهودي المستشرق برنارد لويس قبل أكثر من عشرين عامًا، (نُشر عام 1997، وصدرت ترجمته العربية عام 2000 عن شركة رياض نجيب الريس). وهو نص استشفافي، كما يبدو، يستند إلى المعطيات الواقعية، والمعرفة العميقة بأحداث التاريخ ومساراتها المحتملة. يتعامل صاحبه مع موضوع بحثه بنفس معرفي، من دون أن ينفي ذلك بطبيعة الحال وجود توجهات محددة، أو تفسيرات مستمدة من أحكام مسبقة. ولكن الجهد البحثي، غير الرغبوي، يظل هو الموجّه، والمحدد العام. وبناء على ذلك يمكننا اعتبار الرأي الذي قدمه لويس، حول الدور الروسي المرتقب، في عداد التنبؤات العلمية، إذا صح التعبير، التي شملها كتابه المشار إليه، وعنوانه: (تنبؤات – مستقبل الشرق الأوسط).

فالرجل كان يستند إلى المعطيات بوصفها مقدمات ستفعل فعلها عاجلًا أم آجلًا. ويعمل على الربط بينها وبين الاحتمالات التي يمكن أن تتمخض عنها، ويعتمد في كل ذلك على خبرة واسعة بمجريات التاريخ العام والخاص، ورؤية فلسفية، تلتقط العام الجوهري وسط حشد هائل من التفصيلات الضرورية وغير الضرورية.

ولا تقتصر تنبؤات لويس على الدور الروسي وحده، بل تشمل دول ومجتمعات الشرق الأوسط كلها، وهي تنبؤات تحققت في معظمها، وربما يتحقق بعضها الآخر أو لا يتحقق، وذلك تبعًا لدرجة وحدود التفاعل بين العوامل الإقليمية والدولية، وانعكاساتها على الأوضاع الداخلية، والمحركات الذاتية ضمن دول ومجتمعات المنطقة.

ولكن الذي يهمنا هنا أكثر من غيره، مما ذهب إليه لويس في كتابه المشار إليه، هو ما يتصل بالوضع السوري حيث يقول: “تمّ بناء الدولة السورية بعد الحرب العالمية الأولى من الأنقاض التي خلّفها انهيار الإمبراطورية العثمانية. وقد عُيِّنت حدودها وحددت شخصيتها في اتفاقات عقدتها الحكومات البريطانية والفرنسية. وقد اعتبر القوميون العرب هذه الدولة كيانًا هو في الواقع قطعة من الوطن العربي الأكبر، فيما رأى القوميون السوريون أنها الأثر الباقي من سورية الكبرى التي يجب أن تضم أيضًا لبنان وكذلك شرقي الأردن وفلسطين. لكن بالنسبة إلى بعض الشعوب التي وجدت نفسها داخل حدود سورية، كانت هذه الدولة الصغيرة مع عاصمتها دمشق أكبر مما يجب. فعلويّو الشمال الغربي ودروز الجنوب الشرقي قاموا بأكثر من ثورة جدية على الحكومة المركزية، وظهرت إلى العلن ميول انفصالية في مناطق أخرى في الشمال والوسط والجنوب. لطالما نادى القوميون بدمج سورية في كيان أكبر يصعب على التحديد، لكن النتيجة الأرجح في الواقع تكرار النموذج اللبناني، أي حل الدولة وتفكك أراضيها إلى إقطاعيات متنازعة” ص 73-74.

ربما كانت هذه الصورة السوداوية المأسوية التي توقعها لويس لسورية قبل أكثر من عقدين في طريقها إلى التحقّق في واقعنا الحالي، وهو الأمر الذي لا يتمنّاه معظم السوريين. واللافت في الأمر أنه قد توقعها في وقت كان النظام السوري، الذي كان يقوده حافظ الأسد في ذلك الحين، يبتجح بأنه قد حقق الاستقرار والأمن في المجتمع السوري، وسدّ الطريق على الانقلابات العسكرية التي باتت منذ عام 1949 وجهًا من أوجه الفولكلور السياسي السوري.

فالوضع السوري كان يستوجب وجود قيادة وطنية، تدرك صعوبة المهمة، وتحرص على تعزيز الشعور بالروح الوطنية السورية، بين جملة المكونات التي ضمتها حدود الكيان السوري الجديد بعد الحرب الأولى. غير أن جهود رواد الاستقلال الأوائل في هذا المجال اصطدمت بالأيديولوجية القومية المستلهمة من بعض التجارب الأوروبية، ولا سيّما النازية والفاشية منها. كما اصطدمت الجهود المشار إليها على نحو آخر بالأيديولوجية الإسلامية التي كانت الخلافة الإسلامية بالنسبة إليها هي الفردوس المفقود والموعود في الوقت ذاته.

ومع سيطرة حزب البعث على مقاليد الأمور، عبر انقلاب عسكري في الثامن من آذار/ مارس 1963، دخلت سورية مرحلة الصراعات الداخلية التي كانت بين أجنحة البعث نفسه، وهي صراعات كانت في جوهرها شخصية، اكتسبت مع الوقت بعدًا مناطقيًا طائفيًا، وكان أصحابها يحرصون باستمرار على الاختباء خلف الشعارات القومية أو اليسارية الكبرى، هذا في حين أن ما ظهر لاحقًا أثبت بشكل قاطع أن الموضوع برمته كان عبارة عن صراع نفوذ وسلطة ومصالح بين الجماعات المختلفة، وغالبًا ما كانت تلك الصراعات تتناغم وتتكامل مع الحسابات الدولية والإقليمية، وتستقوي بها.

واستمرت وضعية الشد والجذب، بين أجنحة الحكم المختلفة، حتى تمكّن حافظ الأسد من إزاحة الجميع، ودخلت سورية مرحلة جديدة هي مرحلة الحاكم المؤلّه، وكانت النتيجة دولة أساسها الاستبداد والفساد. وحرص النظام على إبعاد السوريين بعضهم عن بعض، وشجّع النزعات المناطقية والطائفية عبر الممارسات الفعلية التي تتناقض مع الشعارات المعلنة.

ومع تطوير العلاقات مع الجمهورية الإسلامية في عهد الخميني، عاشت سورية مرحلة جديدة من الاستقطابات الإقليمية، على الرغم مما كان حافظ الأسد يظهره من حرص على مراعاة التوازنات الإقليمية والعربية، مع التغلغل الإيراني المذهبي في مفاصل المجتمع السوري، والتعاون الاستراتيجي بين النظام السورية والإيراني، من أجل التحكّم في الوضع اللبناني عبر بوابة “حزب الله”، وما رافق ذلك من عملية تبادل للمصالح، وتغطية على الفاسدين المفسدين، وتهميش الأكثرية العربية السنية، والاستمرار في السياسة الرسمية الاضطهادية المبرمجة نحو الكرد، وإخراج المكونات الأخرى من دائرة اتخاذ القرار، لتقتصر مهمتها على أداء دور التابع المسبّح بحمد وبركات “القائد التاريخي الملهم”.

لقد كان برنارد لويس، وهو يقدم نبوءته حول سورية، مطلعًا من دون شك على أسباب ومقدمات وأبعاد الصراع الدامي بين السلطة والإخوان المسلمين في ثمانينات القرن الماضي. كما كان على على دراية بطبيعة وأبعاد ومآلات الصراع المذهبي الذي سيلتهم المنطقة، وسيعيد إنتاج عملية استغلال النزعات الدينية لتعبئة الجماعات السكانية وتجييشها. ولعل هذا إلى حدٍ ما يفسر واقعة عدم تحوّل المكونات السورية إلى أمة، تقوم وحدتها على تنوع مكوناتها وتكاملها وتفاعلها الإيجابي فيما بينها.

نبوءة لويس حول سورية نعيش إرهاصاتها اليوم بكل أسف، وروسيا تسعى مع الدول الأخرى من أجل تقاسم الخارطة السورية، وفق حساباتها الأمنية وهواجسها المستقبلية.

أما السوريون فما زالوا في انتظار الفرج، وهم يكابدون أقسى الظروف في مخيمات اللجوء والنزوح، سواء في الجوار الإقليمي أم في الداخل الوطني. هذا في حين أن معارضاتهم الرسمية قد توزعت ولاءاتها بين مختلف القوى الإقليمية والدولية، وهي التي تستخدمها أدوات في تكتيكاتها واستراتيجياتها التي لا تأخذ قطعًا مصير السوريين، ومستقبل بلدهم، بعين الاعتبار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق