ترجماتسلايدر

تكاليف المواجهة مع إيران تتصاعد

لم تمنح الجهود الدبلوماسية الأخيرة لإنقاذ اتفاق إيران النووي، وتهدئة التوترات المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران -بما في ذلك الزيارة الأولى لرئيس وزراء ياباني لإيران منذ الثورة- سوى فترة راحة قصيرة من الحديث عن الحرب.

مع الهجمات الجديدة على ناقلات النفط في خليج عُمان، الأسبوع الماضي، التي يعزوها المسؤولون الأميركيون إلى إيران، تشتعل التوترات من جديد.

حتى لو تجنبت الولايات المتحدة وإيران تصادمًا عسكريًا مباشرًا، فإن التصعيد وحملة الضغط الأميركية القصوى تفرض تكاليف طويلة الأجل على المصالح الأميركية والاستقرار الإقليمي، بطرق قد يكون من الصعب -إن لم يكن من المستحيل- نقضها.

من المحتمل أن تكون الضحية الأولى هي اتفاق إيران النووي، وخطة العمل الشاملة المشتركة ((JCPOA. من المحتمل أن يكون قرار إدارة ترامب بمغادرة الصفقة قد تسبب في أضرار على الاتفاق لا يمكن إصلاحها وربما على المصلحة الأميركية في منع تسلح إيران نوويًا في المستقبل.

بينما يصر مسؤولو الإدارة على أن مقاربتهم ستؤدي إلى صفقة نووية أقوى، وإلى أن إيران ستصبح دولة “طبيعية” أكثر، هناك عواقب محتملة يجب مراعاتها من حيث انتشار السلاح النووي والاستقرار الإقليمي والعلاقات الأميركية العالمية.

الشهر الماضي، في ذكرى مرور عام على انسحاب الولايات المتحدة من خطة العمل الشاملة المشتركة، أعلنت إيران أنها لم تعد تصدر كميات إضافية من اليورانيوم المنخفض التخصيب والماء الثقيل إلى دول أخرى على النحو الموضح في الاتفاق للحفاظ على البرنامج النووي الإيراني ضمن عتبة مقبولة ومنع القدرة على التخصيب إلى مستويات التسلح.

فيما بعد، بدأ الإيرانيون زيادة وتيرة إنتاجهم لليورانيوم منخفض التخصيب، ويقولون الآن إن مخزونهم قد يتجاوز الحدود القصوى المحددة في الاتفاق النووي بحلول نهاية هذا الشهر.

لم تنتهك هذه الإجراءات حتى الآن خطة العمل المشتركة الشاملة، وفقًا للوكالة الدولية للطاقة الذرية، وتصر إيران على أنها تريد إنقاذ الاتفاقية على الرغم من الانسحاب الأميركي.

لكن إيران أعطت الأوروبيين في الأساس مهلة أخيرة مدتها 60 يومًا، للوفاء بالمزايا الاقتصادية التي وعدت بها الاتفاقية أو المخاطرة بالتراجع عن التزاماتها النووية.

لم تُعِد الولايات المتحدة فرض العقوبات على إيران نفسها فحسب، بل على أي شخص آخر يتاجر مع إيران. تبحث أوروبا عن طرق للتغلب على العقوبات الأميركية الثانوية، لكن ليس من الواضح أن هذه الجهود يمكن أن تقنع الشركات الخاصة بأن خطر ممارسة الأعمال التجارية مع إيران يستحق المخاطرة بفقدان السوق الأميركية.

في أحسن الأحوال، قد ينجح الأوروبيون في الحفاظ على تجارة السلع الإنسانية وغيرها من السلع غير المشمولة بالعقوبات، من خلال إنشاء آلية مالية جديدة لتسهيل التجارة بغير الدولار، من خلال التبادل التجاري.

لكن حتى لو نجحت، فلن يوفر ذلك على الأرجح الفوائد الاقتصادية التي كانت تتوقعها طهران، مقابل الموافقة على خطة العمل الشاملة المشتركة. كما صرح هيكو ماس، وزير الخارجية الألماني مؤخرًا، بينما تظل أوروبا ملتزمة بالاتفاقية، “لا يمكننا أن نصنع المعجزات”.

تضغط العقوبات الأميركية على إيران، حيث مكان الضرر الأكبر على صادرات النفط. لا تزال الصين ترفض حتى الآن الضغط الأميركي، لكن من غير المرجح أن تستمر الهند والقوى الآسيوية الأخرى في استيراد النفط الإيراني. عند حشرها في الزاوية من دون أي ميزة اقتصادية أو ميزة جانبية، قد يكون لدى إيران حافز ضئيل لمواصلة الامتثال للقيود النووية.

في الواقع، قد ترى إيران فائدة في تجديد الأنشطة النووية للحصول على نفوذ في المفاوضات المستقبلية، خاصة إذا كانت لن تخسر إلا القليل في ظل الظروف الحالية. هذا لا يعني أن إيران ستنسحب من معاهدة حظر الانتشار النووي، وتطرد مفتشي الأسلحة، أو تكثف برنامجها النووي بين عشية وضحاها.

سوف يستغرق تفكيك خطة العمل الشاملة المشتركة بعض الوقت، ولكن بمجرد أن تتراجع إيران عن التزاماتها بها، سيكون من الصعب استرجاع تلك الالتزامات.

يمكن أن يشجع انسحاب إدارة ترامب، إلى جانب التهديد الخطابي والتعزيزات العسكرية في المنطقة على مدار الشهر الماضي، على اتخاذ موقف إيراني أقل تساهلًا، إذا كانت المفاوضات المستقبلية بشأن برنامج إيران النووي ممكنة.

في الواقع، يمكن أن تواجه الإدارة الأميركية المستقبلية موقفَ تفاوض إيراني أكثر صرامة من الماضي. ببساطة العودة إلى خطة العمل الشاملة المشتركة قد لا يكون خيارًا.

في الوقت نفسه، قد تكون المواجهة مُضرّة بالمصالح الإقليمية الأخرى، وأكثرها خطرًا استقرار العراق وتشتت الانتباه عن المهمة لمواصلة مواجهة داعش.

من خلال التهديد بإنهاء الإعفاءات للعراق على استيراد النفط الإيراني، وضعت إدارة ترامب العراق في موقف صعب، بالنظر إلى اعتماد اقتصادها على الغاز والكهرباء الإيرانيين.

في حين أن قرار الإدارة الأميركية تمديد الإعفاءات للعراق لمدة ثلاثة أشهر، يُعدّ خطوة إيجابية، فإن الضغط المستمر على العراق للمشاركة في حملة الولايات المتحدة بممارسة أقصى درجات الضغط على إيران يضع ضغوطاً غير ضرورية على قيادة عراقية تواجه تحديات رهيبة في الداخل وليس طلبًا واقعيًا نظرًا للعلاقات العميقة بين العراق وإيران.

بدلًا من ذلك، إن اتباع مقاربة أكثر حكمة يمكن أن يعطي الأولوية للعمل مع العراقيين بشأن المصلحة المتبادلة في منع تجدد داعش. كما أن حملة الضغط تزيد فقط من توتر العلاقات الأميركية مع تركيا، التي وصلت بالفعل إلى نقطة الانهيار بسبب الخلافات في سورية، والتي يمكن أن تدفع تركيا إلى فلك روسيا وتضعف حلف الناتو.

أخيرًا، تدفع الولايات المتحدة ثمن موقفها بالضغط الأقصى في الساحة العالمية، وهو ما يفسد العلاقات الحرجة عبر المحيط الأطلسي ويعزز النفوذ الروسي في المنطقة.

على الرغم من التوقعات بأن السعوديين يمكن أن يعوضوا النقص في النفط الإيراني لإبقاء الأسعار منخفضة، فإن حملة الضغط المستمرة قد تؤدي مع ذلك إلى ارتفاع أسعار النفط العالمية، وتخلق استياءً حول العالم من الأحادية الأميركية، وتضرّ بالمستهلكين الأميركيين في الداخل.

صحيح أن حملة الضغط القصوى حققت التزامًا دوليًا، إلا أنه تحقق من خلال التهديدات والإكراه، وليس القبول.

يشكك الحلفاء الناقدون مثل ألمانيا واليابان علانية في مصداقية المزاعم الأميركية بأن الإيرانيين كانوا وراء هجمات ناقلات النفط في خليج عُمان، على الرغم من الإشارات القوية إلى أنه لدى الإيرانيين دوافع ووسائل للقيام بهذه العمليات.

كان سبب هذه التكاليف إلى حد كبير هو الانسحاب الأميركي المفاجئ من خطة العمل الشاملة المشتركة، والمخرج الذي رفض الجهود الأوروبية قبل أكثر من عام للبناء على الصفقة لمعالجة المجالات المثيرة للقلق النووي، مثل تطوير الصواريخ الإيرانية ودعم الوكلاء الإقليميين.

يمكن للمرء أن يجادل بأن مثل هذه التكاليف قد تكون ثمنًا يستحق دفعه للتوصل إلى صفقة نووية أقوى مع إيران، تتحكم أيضًا في نشاطها الخطير في المنطقة.

لكن لا توجد صفقة أفضل في الأفق، ولا تزال نقاط إشعال الصراع العسكري في تصاعد، وتهديدات الانتشار تتزايد. النتائج هي حلفاء غاضبون وخصوم فعالون، وإيران أكثر خطورة، واستمرار خطر نشوب صراع عسكري.

اسم المقالة الأصلي The Costs of Confrontation with Iran Are Mounting
الكاتب* داليا داسا كاي،Dalia Dassa Kaye
مكان النشر وتاريخه مؤسسة راند،RAND، 17/6
رابط المقالة https://www.rand.org/blog/2019/06/the-costs-of-confrontation-with-iran-are-mounting.html
عدد الكلمات 1008
ترجمة وحدة الترجمة والتعريب/ أحمد عيشة

*-  مديرة مركز السياسة العامة في الشرق الأوسط وعالمة سياسية بارزة في مؤسسة راند.

صورة الغلاف: الرئيسان الروسي والإيراني، في قمة منظمة شنغهاي للتعاون في بيشكيك، قرغيزستان، 14 حزيران/ يونيو، 2019. الصورة: سبوتنيك/ أليكسي دروزينين/ الكرملين – رويترز

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق