مقالات الرأي

السوريون دريئة الفشل اللبناني

أن تكون سوريًا عليك أن تتحول إلى دريئة أو لوحة أسهم مريّشة، فإن أخطأتك القذيفة في بلدك، فسيرميك ذلك المسمار المدبب داخل حدود دول الجوار، وخصوصًا لبنان الذي نأى بنفسه -كما يدّعي وجهاء السياسة فيه- عن الدخول في الحرب، ونأى بنفسه أخيرًا عن بعض الحسّ الإنساني، تجاه من استجاروا بأراضيه.

شكّل لبنان ملاذًا لكثير من الفارين من متاهة الحرب، وما رافقها من أزمات (الخوف والبحث عن حياة آمنة، سوء الوضع المعيشي، التجنيد الإلزامي لفئة الشباب، ومحطة عبور للهجرة وغيرها). وبحكم القرب الجغرافي بين لبنان وحمص، اتّجه الكثيرون من حمص وريفها في بداية الحراك، ليشكّلوا نصف عدد اللاجئين السوريين في لبنان، ومعظمهم يقيمون في ظروف لا إنسانية وبطريقة غير قانونية، لعدم تمكنهم من إيجاد “كفيل”. ومهما اختلفت الظروف فإن من دخل إلى لبنان كان موسومًا بخطايا السلطة، ومتلبّسًا بجريمة توتر العلاقة الرسمية بين سورية ولبنان، بعد اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري في 14/ 2/ 2005، وعالقًا في انقسام القوى اللبنانية، حول الملف السوري وشرعية الرئيس السوري، الذي انعكس على الهاربين من الموت.

استطاعت الحكومة اللبنانية أن تبرّئ نفسها من تقديم أي مساعدة للسوريين على أراضيها، باعتبارهم نازحين، لكون لبنان لم يوقّع على اتفاقية الأمم المتحدة الخاصة بوضع اللاجئين للعام 1951، ولا على بروتوكولاتها عام 1967، التي تمنح الحماية والحقوق. واعتُبر بقاؤهم مؤهّلًا لانهيار لبنان، بتركيبته الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والأمنية والديموغرافية، ليرتفع سُعار الحملات العنصرية ضدّهم، باعتبارهم سبب البلاء لمشكلات هذا البلد العاجز، الذي يدرك ساسته أن وجود السوريين على أراضيه لم يغيّر من واقعه، كما يُشيعون، فقانون الاتفاق الثنائي للتعاون الاقتصادي والاجتماعي بين البلدين للعام 1991 ضمن حرية حركة البضائع والأشخاص، إضافة إلى حرية الإقامة والأنشطة الاقتصادية، وقد شكّل العمال السوريون ما بين (20 إلى 40 بالمئة) من قوة العمل اللبنانية.

أما ما يشكّله اللاجئون من ضغط سياسي نتيجة التركيبة الطائفية اللبنانية، وأن أي تغيير ديموغرافي في لبنان الذي يعتمد ديمقراطية المحاصصة الطائفية يُعدّ خطًا أحمر، فإن النازحين “السنّة” الذين تشارك “حزب الله” و”التيار الوطني الحر” ضدّهم، لا تأثير لهم في التركيبة اللبنانية أو زعزعة أسس العيش المشترك والملغوم بين الطوائف، ما داموا خارج إطار التوطين. لكن هذه الحقائق القانونية لم تصبح أساسًا في أذهان اللبنانيين الذين غرقوا وأُغرقوا في حسابات الطوائف والمذاهب، وبأذهان سياسيّيهم الذين زادوا من حدّة الهجمات العنصرية ضدّ السوريين، التي تمّ التعبير عنها بسلسلة من الاعتداءات والاعتقالات، وتمّت تغطيتها بانتشار المجموعات الإرهابية بين صفوف اللاجئين.

منذ آذار/ مارس 2014، صار السوريون البالغ عددهم 1.5 مليون لاجئ، بحسب التقديرات اللبنانية، تحت مرمى الإهانة والإدانة والترهيب، خصوصًا “أهل الخيام” التي تنقصهم الاحتياجات الأساسية (الطعام، الصحة، مصادر الطاقة والمياه وغيرها) وتزيد وطأتها ظروف الرُهاب من المداهمات والاعتقالات، وقد قدّر تقرير الرصد اليومي لـ “الهيئة السورية لفك الأسرى والمعتقلين” أن عدد المعتقلين بلغ أكثر من خمسة آلاف معتقل موزعين على سجون سرية وعلنية، في لبنان “الشقيق” الباحث عن نجاته، عبر إدخال السوريين في متاهات الذلّ إن بقوا في لبنان أو عادوا إلى بلدهم. فالعودة التي أرادت الجهات الحكومية اللبنانية، منذ تموز/ يوليو 2018 إظهارها كعودة طوعية، كانت عبر الضغط على الناس، من خلال مجموعة من السياسات الحكومية التقييدية، والظروف الإنسانية المزرية والتمييز المستفحل. وبحسب تحليل منظمة العفو الدولية، حزيران/ يونيو 2019، كانت هذه العودة نتيجة لعمليات الإخلاء غير القانونية، وحظر التجول والمداهمات المتواصلة لمخيمات اللاجئين والاعتقالات الجماعية، وهو ما أجبر كثيرين على العودة إلى سورية، على الرغم من المخاطر المستمرة.

عودة السوريون صارت هاجس الحكومة اللبنانية التي تُفاقم الأجواء العدائية ضدّهم، وتزيد من حملات التحريض. ففي 8 حزيران/ يونيو 2018 نظّم “التيار الوطني الحرّ” حملة للتعبئة ضدّ اللاجئين السوريين، والدعوة إلى عودتهم، وقام بتوزيع منشورات تحريضية: “سورية آمنة للعودة ولبنان لم يعد يحتمل”، “احمِ العامل اللبناني وبلّغ عن المخالف”. لتتصاعد حدّة العداء، مع تغريدات جبران باسيل (وزير خارجية لبنان) ودفاعه عن اليد العاملة اللبنانية بوجه الغزاة العرب والأجانب، إضافة إلى تصريحاته خلال الاجتماع الوزاري العربي الأوروبي في بروكسل، بأن السوريين “تسببوا في خسائر وصلت إلى 40 في المئة من الناتج القومي”.

ما بين السخرية والردود التي نالتها تغريدات باسيل وتصريحاته، يبقى السوري محاصرًا وبلا أمل، فحديث ديفيد بيسلي، المدير التنفيذي لبرنامج الأغذية العالمي، أمام لجنة البرلمان البريطاني، عن الفائدة الكبيرة التي نالها الاقتصاد اللبناني بسبب اللجوء السوري الذي أنقذ الاقتصاد اللبناني من “الانفجار”، لن يلقى آذانًا مصغية.

الحكومة اللبنانية بمن فيها باسيل، تدرك ما قدمه اللجوء لميزانية الحكومة، إن كان في استجرار حزمة المساعدات الدولية التي بلغت، منذ عام 2011 حتى بداية عام 2017، 1.258 مليار دولار لصالح خزينة الدولة، وفي برنامج الدعم والمساعدات النقدية التي يقدمها برنامج الأغذية العالمي، والتي وصلت حتى الآن إلى 600 مليون دولار، بشكل تحويلات نقدية أو بطاقات شراء وما سيقدم لاحقًا، بحسب بيسلي، ستصل المساعدات إلى 2.2 مليار دولار، ناهيك عن أثرهم في انتشال الاقتصاد اللبناني كقوة اقتصادية فعّالة (استثمار وشراء العقارات واستئجارها، زيادة الاستهلاك، والأجر الرخيص للعامل السوري) إذا لم نقل أنقذت لبنان من مصيبته، فإنها لم تتسبب في بزوغ مشكلات جديدة، بقدر ما فاقمت مشكلات كانت موجودة أصلًا نتيجة عقود من الحكم السيئ والسياسة الاقتصادية الفوضوية.

الخسائر التي يُحمّلها لبنان واللبنانيون للعدد الزائد من اللاجئين، هي تغاضٍ عن لبّ المشكلة في سياسة حكومتهم، وتجاهل لانعكاسات الحرب في سورية وأثرها عليهم، فالحرب التي طالت الأخضر واليابس السوري تسببت في انخفاض الصادرات ونقل البضائع اللبنانية برًا إلى شبه الجزيرة العربية، وواردات المنتجات الصناعية السورية الرخيصة، وتضرر السياحة، وغيرها من أسباب تتعلق بعدم الاستقرار السياسي اللبناني. وهذا الاستسهال جعل السوري دريئة لسهام الحكومات العاجزة خارج بلده، وداخلها جعله ضحية للجميع، فالحكومة السورية ووعود العودة التي تحاول روسيا الاستثمار فيها، لا تتعلق بمن “أراد” العودة، إنما بمن “تريد” الحكومة عودتهم، حيث تخضع الأسماء لتدقيق الجهات الأمنية من جانب، ومن جانب آخر فإن انسحاب الوفد السوري من الدورة 108 لمؤتمر العمل الدولي لعام 2019، في أثناء إلقاء وزير العمل اللبناني كميل أبو سليمان كلمته التي جوبهت بالتبرير “احتجاج على حزب القوات”، والإدانة “انتقاص من قيمة لبنان”، يؤكد أن النظام السوري لا يريد تسهيل عودة مواطنيه النازحين إلى بلادهم، حيث سيزيدون من ضغط الأوضاع المعيشية المزرية التي يراها البعض مهددة بانفجار داخلي.

فصول متنوعة من المآسي يعيشها اللاجئون السوريون، فبلدهم لم ينصفهم قبل الجيران، حتى لو كان كلا الشعبين في مقياس الجغرافيا والتاريخ يعتبران شعبًا واحدًا في دولتين. كما أن الطائفية السياسية والدينية الرائجة في كلا البلدين كان لها كلمتها الفصل، في هول الانتهاكات لإنسانية السوريين التي ستدفعهم إلى القبول بأي مفاوضات ومساومات سياسية، مهما كان سقفها منخفضًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق