هموم ثقافية

صانع الفرح

لم ينجح -في اعتقادي- شاعر عربي حديث في صناعة لحظة السعادة الشعرية، مثلما نجح إيليا أبو ماضي؛ فاستحق بذلك لقبَ (صانع الفرح)؛ فكثير من قصائده صارت مصدرًا للسعادة والبشاشة ومصنعًا للابتسامة والفرح والسرور، ومنهجًا يحتذى في طلاقة الوجه وبشاشة تقسيماته؛ واستحق أبو ماضي -كذلك- أن يكون فيلسوف شعراء العصر الحديث، الذي حنكته مرارة الاغتراب في مهجره الشمالي في الولايات المتحدة الأميركية، وعركته تجارب النزوح عن الوطن. هو واحد من شعراء المهجر، وأحد أبرز أعضاء الرابطة القلمية، وُلد في قرية “المحيدثة” قرب مدينة “بكفيّا” في لبنان سنة 1889م، وتوفي في نيويورك في الثالث والعشرين من تشرين الثاني/ نوفمبر سنة 1957م.

لعل فلسفة الشعور بالرضا والإصرار على صناعة السعادة والفرح والسرور أبرز ما يميز تجربة إيليا أبو ماضي الشعرية، وإن كان ينطلق في بعض قصائده من الحيرة والتساؤل، كما في قصيدة (الطلاسم) التي يدعو من خلالها الإنسانَ إلى تجاوز حيرته، واتخاذ قراره في صنع بسمته وسعادته، فقال:

جئتُ لا أعلمُ من أينَ ولكني أتيتُ

ولقد أبصرتُ قُدامي طريقًا فمشيتُ

وسأبقى ماشيًا إن شئتُ أم أبيتُ

كيفَ جئتُ كيفَ أبصرتُ طريقي….

لستُ أدري

قد رأيتُ الشهبَ لا تدري لماذا تُشرقُ

ورأيتُ السحبَ لا تدري لماذا تُغدقُ

ورأيتُ الغابَ لا يدري لماذا يورقُ

فلماذا كلها في الجهل مثلي……

لستُ أدري

إنني جئتُ وأمضي وأنا لا أعلمُ

أنا لغزٌ وذهابي كمجيئي طَلسَمُ

والذي أوجد هذا اللغزَ لغزٌ مُبْهَمُ

لا تُجادل، ذو الحجى من قال: إني….

لستُ أدري

الشعور بالرضا أجمل ما في هذا النص، أضف إليه دعوة الشاعر إلى التأمل والبعد عن الجدل والمشاحنات، التي تسبب كثيرًا من الكراهية والبغضاء بين الناس، مثلما يدعونا أبو ماضي إلى التأمل في جمال الطبيعة وتعلم العطاء من نجومها وكواكبها، من سُحبها وأشجارها وغاباتها في كثير من نصوصه، كما في قصيدته (كن بلسمًا) التي يدعونا فيها إلى الفرح والسرور والمحبة والتسامح، وتعلم العطاء من طيورها وأزهارها؛ لتغدو المحبة عنوان الحياة الأبرز؛ حيث يقول:

كُنْ بَلسمًا إن صارَ دهرُكَ أرقمًا/ وحلاوةً إن صارَ غيرُك علقمًا

من ذا يكافئ زهرةً فواحة/ أو من يُثيبُ البلبلَ المُترنما

يا صاح خذْ علمَ المحبة عنهما/ إني وجدتُ الحب علمًا قيمًا

لو لم تفُحْ هذي وهذا ما شدا/ عاشتْ مُذممةً وعاشَ مُذمما

أيقظْ شعورَكَ بالمحبة إن غفا/ لولا شعورُ الناس كانوا كالدمى

….

ونعثرُ في ديوان (الخمائل) على قصيدة بعنوان (ابتسم) تتميز في باب الدعوة إلى السعادة والإصرار على (صناعة الفرح والسرور)، وتكشف بجلاء عن هذا النزوع نحو الأمل والتفاؤل لدى أبو ماضي؛ حيث يُجري فيها حوارًا مُتخيلًا بينه وبين أحد المتشائمين؛ ليجعل السعادةَ قرارًا في هذه القصيدة، ويعلن فيها أن لا بديل عن النزوع إلى البسمة والفرح والسرور؛ حيث يقول:

قالَ: السماءُ كئيبةٌ وتجهّما/ قلتُ: ابتسم، يكفي التجهمَ في السما

قال: الصبا ولى، فقلتُ له: ابتسمْ/ لن يُرجعَ الأسفُ الصبا المتصرما

قال: التي كانت سمائي في الهوى/ صارتْ لنفسي في الغرام جهنما

خانت عهودي بعدما ملّكتُها/ قلبي فكيفَ أطيقُ أن أتبسما

قلتُ: ابتسم واطربْ فلو قاربتَها/ قضيتَ عُمرَكَ كُله متألما

….

يُصرّ أبو ماضي على أن السعادة قرارٌ، وتكمن كيمياؤها أو كيمياء هذا القرار بالشعور بالرضا والقناعة من الدنيا بما قسمَ الله، والبعد عن مهاترات الطامعين؛ وكذلك ينتقد إيليا أبو ماضي كثرة الشكوى التي لا تولد غير الأسقام في نفس صاحبها وجسده، وتُبعد الإنسان عن سعادته؛ فيقول:

أيهذا الشاكي وما بكَ داءٌ/ كيفَ تغدو إذا غَدَوتَ عليلًا

إن شر الجُناة في الأرض نفسٌ/ تتوقى قبل الرحيل الرحيلا

وترى الشوكَ في الورود وتعمى/ أن ترى فوقها الندى إكليلا

والذي نفسُه بغير جمالٍ/ لا يرى في الوجود شيئًا جميلًا

فتمتعْ بالصبح ما دمتَ فيه/ لا تخفْ أن يزولَ حتى يزولَ

أنتَ للأرض أولًا وأخيرًا/ كنتَ مَلكًا أو كنتَ عبدًا ذليلًا

أيهذا الشاكي وما بكَ داءٌ/ كُن جميلًا ترى الوجودَ جميلًا

ما أحوج الساحة الشعرية العربية إلى شاعر أو شعراء معاصرين! يسيرون على نهج أبو ماضي، ويصرون على بث الأمل، وصناعة الفرح، ويشجعون الناس على أن يعيشوا لحظة السعادة، على الرغم من الأوضاع المريرة في كثير من بلداننا العربية، ولعل نزوح أبو ماضي، وهجرته البعيدة عن وطنه الأم، قريبة إلى حد بعيد من معاناة النازحين واللاجئين هذه الأيام، وعلى الرغم مما عاناه أبو ماضي أصرّ على أن يعيش سعادته، وظل يُلهم الآخرين هذه السعادة في كثيرة من نصوصه؛ ولعل هذا السبب هو ما جعلني أبتعد عن الإسهاب في الشرح والنقد والتنظير لصالح التماهي مع لحظة السعادة الشعرية، التي نجح إيليا أبو ماضي في صناعتها إلى حد بعيد.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق