مقالات الرأي

سورية والدور الإسرائيلي

أضحت القضية السورية جزءًا أساسيًا من قضايا الشرق الأوسط، وصار أي حل للوضع السوري مرتبطًا مباشرة بالتسوية الشاملة لقضايا المنطقة، المعقدة، التي ما تزال عصيّة على الحلّ، منذ نشوئها قبل ثمانين عامًا. والواقع أن ذلك لا يبعث على الأمل باقتراب توصل الأطراف الدولية إلى إيجاد تسوية يتوقف فيها العدوان الواسع على سورية، الذي تنخرط فيه قوى مانعة للحل الدولي إلا وفقًا لتصورات أستانا التي قادت بدورها إلى وضع الشمال السوري في أتون جحيم لا حدود له. ومع إصرار موسكو على تجاهل دعوات المجتمع الدولي لوقف عملياتها العسكرية، استطاعت إفشال جلسة مجلس الأمن الخاصة بسورية، الثلاثاء الماضي، معطلة أي جهد في هذا السياق.

تواصل موسكو العمل، في إطار استراتيجيتها، للحيلولة دون أي تدخل للأمم المتحدة قد يقود إلى فرض مشاركة دولية في التسوية، بعد أن عطلت مسار جنيف وأجهضته بمساندة المبعوث الدولي السابق ستيفان دي ميستورا، سيئ الذكر والعمل. واليوم، تعيد تسويق فكرة وشروط أستانا، من جديد، كقاعدة لاتخاذ “خطوات عملية لتسوية الأزمة في سورية” وفقًا للخارجية الروسية التي أعلنت عن لقاء مرتقب حول ذلك، يضم مستشاري الأمن في كل من روسيا والولايات المتحدة و”إسرائيل”، الاثنين المقبل. ويمكننا أن نلحظ في هذا التوجه ثلاث نقاط أساسية مهمة: مكانه، وأجندته، ودور “إسرائيل” في المنطقة.

تبدو القدس مكانًا غير اعتباطي الاختيار لتُعقد فيه ما يراد لها أن تكون “قمة أمنية” تنطوي على أهمية غير عادية بشأن قضايا المنطقة، إضافة إلى كونها مؤشرًا دالًا على المضي في تكريس كل من البيت الأبيض و”إسرائيل”، لمدينة القدس كعاصمة “أبدية لإسرائيل” تنضم إليهما موسكو في اجتماع أمني من هذا النوع، في سابقة لم تحدث من قبل، على الرغم من أن انعقاده في القدس يخالف القواعد القانونية الدولية التي تجرّم الاحتلال الإسرائيلي وإجراءات تهويد القدس، ولا تعترف بها كعاصمة للكيان الإسرائيلي.

يُراد لهذا اللقاء أن يُشكّل انطلاقة شراكة جديدة، وهذا يعني أن هذه هي الأطراف الحقيقية الفاعلة والمؤثرة في قضايا المنطقة، وفي مقدمها المسألة السورية. وفي الواقع إن اللقاء سوف يكون مُكرّسًا لمناقشة الوضع في سورية، والعمل على إيجاد إطار تعاون مشترك فيما بينها، من دون مشاركة قوى إقليمية أخرى مثل تركيا، والسعودية، وإيران. وعلى الرغم من تناول اللقاء قضية السلام في الشرق الأوسط، فإن القضية السورية حاضرة بقوة، إذ يتضمن جدول الأعمال بنودًا تتصل بأوضاع اللاجئين السوريين، وإعادة الإعمار، ومحاربة الإرهاب في سورية -على حدّ تعبير الخارجية الروسية- ما يجعل منها نقطة مناقشات محورية.

من الواضح أن سنوات التفاهم العسكري والأمني، بين موسكو وتل أبيب، بموجب اتفاقيات التعاون بشأن العمليات العسكرية في سورية، كانت مثمرة للغاية بين الطرفين، وأن الظروف قد أصبحت أكثر ملائمة للبدء بالعمل في إطار استراتيجية مشتركة، تضم إلى جانبهما واشنطن، كراع لهذا التحالف العسكري والأمني، بما يقود إلى تعاون أوثق في الوصول إلى تسوية سياسية، موسكو هي الأحوج إليه اليوم، في ظل استمرار العدوان الهمجي الروسي على الشمال السوري، منذ أكثر من شهرين، من دون أن تتحقق أهدافها.

سوف تكون “إسرائيل”، بموجب النتائج التي ينجم عنها اجتماع القدس، شريكًا أساسيًا في وضع استراتيجية العمل بشأن سورية، راهنًا ومستقبلًا، وأحد صنّاع القرار الدولي فيه. خاصة أنه يتم في سياق التباحث بشأن الاستقرار في الشرق الأوسط، واعتبار المسألة السورية، واحدة من تحديات الأمن والسلام، بالطبع بالنسبة إلى “إسرائيل” وحدها.

تبوّء “إسرائيل” مكانة مهمة في الملف السوري لم يكن وليد تطورات الوضع في المنطقة اليوم، ولكنه جزء من استراتيجية القوى الدولية الكبرى، خاصة الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، والولايات المتحدة بصورة أساسية، التي أعطت “إسرائيل” دورًا مهمًا، ليس في وضع التصورات التي تساعد في صنع القرار الأميركي بشأن سورية، فحسب، بل أخذت بوجهات نظرها في الحفاظ على بقاء النظام الأسدي في السلطة. كما لعبت دورًا مهمًا في المحافل الدولية، وعبر الإعلام، في إعادة تعويم النظام الأسدي، كشريك مثالي ضامن لأمن الحدود “الشمالية” واستقرار جبهة الجولان.

يأتي انعقاد هذا اللقاء الذي وصفه مجرم الحرب بنيامين نتنياهو بأنه “قمة مهمة جدًا من شأنها ضمان الاستقرار في الشرق الأوسط، في فترة هائجة وحساسة”، بالتزامن مع إطلاق ترامب حملته لانتخابات الرئاسة القادمة، ومع عدم توصل مجلس الأمن إلى أي نتيجة لوقف العمليات العسكرية على إدلب، ومع استمرار ارتكاب الأسد – بوتين، لجرائم حرب مهولة، من دون أن تكون هناك أي إدانة أو تجريم دولي واضح، لاستهداف المدنيين والمنشآت الصحية والتعليمية، واستخدام الأسلحة المحرّمة دوليًا.

الجانب الآخر يتضمن سعي موسكو للحصول على تأييد “إسرائيل” والولايات المتحدة، على ما تسميه مسار أستانا، عبر قمة هرم المؤسسات الأمنية، بعد تعذر اعتراف واشنطن بذلك، وسوف تنعكس نتائج اجتماع القدس على النسخة الجديدة من أستانا التي يتم التحضير لها، ودعوة أطراف جديدة للمشاركة فيها، مثل لبنان.

استمرار الجريمة الأسدية المنظمة في سورية، بمشاركة روسيا وإيران، ساهم في تمكين “إسرائيل” من لعب دور بارز في المسألة السورية. يضاف إلى ذلك تراجع أطراف إقليمية عربية (استجابة لضغوطات البيت الأبيض) عن القيام بدورها وبواجباتها وبتعهداتها التي قطعتها على نفسها، في دعم الثورة السورية، والعمل مع المجتمع الدولي لتغيير النظام الأسدي، بسبب جرائمه الكبرى، كمدخل رئيس للحل في سورية. أصبحت تلك التعهدات من الماضي، بعد الشروع بتعويم الأسدية، خاصة في ظل ترامب، وإصرار موسكو على القتل والتدمير، والتمسك بالنظام الأسدي، ودعم إسرائيلي غير محدود، لكل ما يحدث للسوريين!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق