تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

هونغ كونغ وسورية.. الأمهات عندما يبكين فرحًا أو دمًا

خرج نحو مليوني متظاهر ضد مسودة قرار الرئيسة التنفيذية لهونغ كونغ، يوم الأحد 15 حزيران/ يونيو 2019، من أصل سبعة ملايين، وخرجت الأمهات في هونغ كونغ، قبل ذلك، تطالبن الحكومة بالتراجع عن قرار تسليم المجرمين، وتتوسلن الشرطة لعدم إلحاق الأذى بأبنائهن، وحين كان المتظاهرون يستعدون للاحتجاج على مشروع الحكومة، وقّعت 44 ألف أمّ عريضة عبر الإنترنيت، مع صورة لأم وابنها من المحتجين وهو ينزف بعد أن سقط أرضًا، وكانت كاري لام الرئيسة التنفيذية لهونغ كونغ قد صورت نفسها على الدوام “الأم الطيبة والحنون”، وعبرت الأمهات في عريضتهن عن خشيتهن من استخدام الغاز المسيل للدموع أو الرصاص المطاطي المميت، إذ لا يمكنهن تحمّل رؤية أبنائهن ملطخين بالدماء وقد تعرضوا لعصيّ الشرطة.

بدت لام في تظاهرات الأحد “زوجة الأب الشريرة”، ورفع بعض المتظاهرين شعار “لم تعد لام أمنا الحنون”، وخشي أهالي هونغ كونغ من قانون الهاربين المعدل، الذي يؤدي إلى إسكات الناشطين السياسيين وتسهيل الاعتقالات التعسفية، وإرسال المعارضين السياسيين إلى الصين للمحاكمة، واختفائهم وراء الشمس.

علّقت لام القانون يوم 15 حزيران/ يونيو، ومع ذلك خرج نحو مليوني متظاهر للمطالبة بإلغائه، وبالفعل تراجعت لام وألغت المشروع واعتذرت لشعبها، وقبل ذلك بأسبوع تحرك مليون متظاهر، تقودهم أمهات هونغ كونغ، هذه الحركة التي لاقت استحسان الجميع، وقد نجحن في حماية أطفالهن، وأرسلن رسالة إلى لام يوبخنها على لقبها “الوالدة الأم” وأنه تشبيه لا تستحقه، فقد كانت خادمة للناس على الرغم من أنها الرئيسة التنفيذية لمنطقتها الإدارية الخاصة، وهي في الواقع شخصية أمومية في المدينة، نظريًا على الأقل.

تخبطت لام في محاولتها لنزع فتيل الاحتجاجات، فما ستفعله الأم هو أن تستمع وتتواصل مع أبنائها، لفهم ما يريده أطفالها، وأن أي والد يهتم برفاهية الجيل القادم سيفعل ذلك، بمعنى التواصل بطريقة مباشرة لفهم اهتمامات واحتياجات ورغبات الطفل، وهذا يسمح للوالد بإيجاد حل وسط لتجنب المواجهة، فليس من السهل أن نغمر الطفل وأن نستسلم لأهوائه، وهذا بالتأكيد غير قابل للتطبيق على المدى الطويل.

عندما شبهت لام شعبها بالطفل، كان عليها أن تفهم أولًا أن الشباب يميلون إلى تطوير أفكار ومعتقدات وقيم مختلفة تمامًا عن أفكار آبائهم، وكونهم مختلفون عن نهجهم بالحياة فهذا جزء من عملية حتمية في النمو والتطور.

غالبًا ما يتعين على الآباء أن يناضلوا مع مقدار أو فسحة من الحرية التي ينبغي عليهم أن يمنحوها لأبنائهم في مراحل مختلفة، في الوقت الذي تعدّ الصين ذات النظام الشمولي هونغ كونغ “الابن الضال”، فهذه المرة الأولى، منذ ثلاثة عقود، التي يخرج فيها صينيون في تظاهرات احتجاجية.

لا توجد صيغة ثابتة في الأبوة والأمومة، لأن كل طفل يختلف عن الآخر، ولكن عدم التواصل يسبب دائمًا الصراع وسوء الفهم والتوتر، لذلك يأتي التواصل المفتوح والصادق أولًا قبل كل شيء.

فإذا كانت لام تعتقد أن أطفال هونغ كونغ هم أطفالها؛ فإن عليها أن تسمح لهم بالنمو وأن تساعدهم عبر الدعم والتواصل، في مواجهة التحديات، واتخاذ القرارات من خلال مناقشة القضايا للوصول إلى نتيجة يتعايش معها الطرفان، بغض النظر عن مدى صعوبة ذلك، فيجب أن تساعد الأم الحنون طفلها في أن يكون شخصًا مستقلًا بذاته، وهو أمر إيجابي لأنه سيكون مفيدًا لجميع المعنيين.

التواصل السلبي هو سبب شائع لنزاع مزمن، لأنه ما من أحد، صغيرًا كان أم كبيرًا، سيرغب في إجبار الآخر على الامتثال.

كانت الأمومة على الدوام رمز اللاعنف، والرغبة المطلقة في السلام، وإن اختلف نظام هونغ كونغ الديمقراطي عن الصين الأم الشيوعية ذات النظام الواحد، فقد قاد غاندي أقصى حالات اللاعنف في مقارعة المستعمر الإنكليزي، حتى لو كان مفهوم هونغ كونغ عن الصين الوطن الأم مختلفًا، فهذا الطفل الصغير قد كبر وتغيرت معتقداته واتجاهاته.

في سورية، اعتقد بشار الأسد أنه الرب المعبود، وأن وظيفته منزّلة إليه من السماء، وليس مجرد خادم للوطن والمواطن، وأن ليست وظيفته آنية بزمن معين، فرفض التغيير وقتل المتظاهرين وأبكى الأمهات، أم الساروت فقدت أربعة من أبنائها ولم يهتز له جفن، وأمهات مليون شهيد سوري أحرق بشار فلذات أكبادهن، لم يفهم أن الجيل الجديد ليس كجيل الخوف الذي دمره وقتله واضطهده أبوه حافظ الأسد بالثمانينيات، لم يستمع ولم ينصت واستمر في تحويل سورية إلى جحيم لا ينضب من أنات البشر.

كانت ساحات سورية تمتلئ بالمتظاهرين السلميين، فلم يوفر رصاصه عن صدورهم العارية، ولم يمنع زبانيته من قتل المتظاهرين، ولم يتورع عن استخدام البراميل المتفجرة والصواريخ والمدفعية والطيران والدبابات وكافة أنواع الأسلحة حتى السلاح الكيميائي، ولم يسمح للأمهات أن يبكين فرحًا بأطفالهن، وهم ينطلقون نحو مستقبل جديد وواعد، بل دفن حمزة الخطيب وعشرات ألوف الأطفال في حلب والغوطة ودرعا وحمص وحماة وكل جزء من الأرض السورية، ولم يتورع عن دفن أطفال إدلب تحت الأنقاض بقذائف طائراته وطائرات حلفائه المحتلين.

لا فرق بين أمهات هونغ كونغ وسورية، ولا بين أطفال هونغ كونغ وسورية، إلا بالنظام وطبيعته، سواء كانت تلك الطبيعة أبوية طيبة، أم ذات نظام قمعي وعقلية ترى في أبنائها “جراثيم”، كما قال الأسد نفسه في إحدى خطاباته، ففي الأنظمة الشمولية لا فرق بين الأم والطفل والشيخ والشاب الذي يسعى وراء أحلامه وحياته، فكلهم “إرهابيون” برأيه الفكري المريض، ليبرر لنفسه ارتكاب جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، بالمقابل لقّب السوريون اللاجئون المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، التي فتحت أبواب ألمانيا لـ 700 ألف سوري “الماما ميركل”، كانت العقلية الأمومية هي من تنتصر على الدوام، فهي غريزة الأم التي لا ترغب في رؤية أطفالها إلا بخير وسلامة، يبنون أوطانهم بتحقيق أحلامهم ومستقبلهم الناجح، على العكس من ذلك دولة آل الأسد الوحشية منذ نصف قرن.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق