كلمة جيرون

حزِنوا على سورية

أعرب كثير من المعارضين السوريين، مختلفي التوجهات السياسية والأيديولوجيات، عن تأثرهم وحزنهم لرحيل الرئيس المصري السابق محمد مرسي، وركّزوا في تعليقاتهم وآرائهم على أن الرجل سُجن ظلمًا، باعتبار أنه رئيس شرعي ومنتخب أُطيح عبر انقلاب عسكري، وأن الرجل رحل مظلومًا، باعتبار أن حياة السجناء هي مسؤولية السجّان، وموت السجين هو دليل على غياب أولويات العدالة الحقوقية تجاه المعتقلين.

في إثر إعلان وفاته، لم يناقش السوريون كثيرًا ما قام به مرسي في مدة حكمه القصيرة، ولم يدّعوا أنه كان رجلًا ديمقراطيًا، وانتقدوه وانتقدوا التنظيم الإسلامي الذي دعمه، وانتقدوا كذلك استعجاله السماح لرجال هذا التنظيم بالتغلغل والاستئثار في الدولة والحكم، وسماحه لهم بما لا يُسمح في أي دولة ذات حكم رشيد، ولم يثنوا كثيرًا على مواقفه السياسية غير المدروسة بعناية، لكنّهم في الواقع شددوا وتوحّدوا على أنه فاز في انتخابات رئاسية شرعية وطبيعية، كما لا يمكن الإنكار أنه لم يحظ بمحاكمة عادلة شفافة بعد أن زُجّ به في السجن، ولا يمكن الإنكار أن العسكر انقضّوا على الحكم والسلطة وهشّموا العملية الديمقراطية وفكرتها الوليدة في مصر، بذريعة وقف المد الديني.

أجمع السوريون الذين تعاطفوا مع قضية مرسي على أن كل ما قام به مرسي قابل للنقاش والانتقاد والاتهام، وقالوا إن مدة حكمه كانت قلقة ومثار جدل، ولم يدخلوا من جديد في السجال الذي كان قائمًا بين الإخوان والعسكر، بل شددوا على أن الانقلاب عليه، كرئيس منتخب بانتخابات نزيهة ومراقبة، كان تدميرًا لبداية مسار ديمقراطي، كان يمكن أن يُغيّر خرائط كثيرة في المنطقة لو أن مصر نجحت فيه، وكذلك أجمعوا على رفض حكم العسكر، وقالوا إنه حكم تعسفي وقاس وشمولي ومرفوض مهما كانت طريقتهم.

إذًا، تعاطف السوريون مع مرسي كشخص، لكنّهم لم يدافعوا بالضرورة عنه كشخص، بل دافعوا عن جملة أفكار ومبادئ أثارها رحيله، هي أفكار سياسية في المقام الأول، وإنسانية في المقام الثاني، فقد دافعوا عن الديمقراطية وضرورة حمايتها، والانتخابات النزيهة والمراقبة وضرورة احترامها، وأهمية احترام حقوق السجناء السياسيين وحقوقهم الإنسانية، وكذلك هاجموا حكم العسكر ورفضوه مهما كان، ودانوا الأنظمة الدكتاتورية التي تسجن الخصوم من دون محاكمة، وهاجموا الانقلابات التي تأتي برؤساء فوق دبابة، وتُطيح كلّ شيء حولها، وحزنوا على ثورة لم تكتمل، وعلى ديمقراطية مُغتالة.

حزن السوريون على سوريتهم، من خلال حزنهم على رحيل مرسي، فكل ما سبق عاناه السوريون في بلدهم طوال خمسة عقود، إذ عاشوا في ظل انقلابات أتت برؤساء فوق دبابة، وأطاحت كلّ شيء حولها، ودمّرت البلد وهشّمته، وأتت بأنظمة دكتاتورية سجنت الخصوم من دون محاكمة وقتلتهم، أنظمة فاسدة مفسدة عقيمة، عسكرية أمنية وقمعية، جعلت الانتخابات مفقودة، والحقوق مستباحة، والديمقراطية غائبة، وما حزن السوريين على مرسي إلا تعبير عن انعكاس لحزنهم الداخلي على سورية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق