ترجمات

وفاة محمد مرسي، أول رئيس منتخب ديمقراطيًا في مصر

محمد مرسي، أول رئيس منتخب ديمقراطيًا في مصر، انهار وتوفي أثناء محاكمته في إحدى محاكم القاهرة، يوم الاثنين 17 حزيران/ يونيو، بعد ست سنوات من إطاحة الجيش به في ظروف مضطربة حيث أعادت مصر إلى الحكم الاستبدادي.

لم تقدم السلطات المصرية أي سبب رسمي للوفاة، لكن النقاد ألقوا بالمسؤولية على الظروف السيئة في السجن، حيث أمضى السيد مرسي السنوات الست الماضية. وقالوا إن السلطات حرمته من الأدوية الضرورية لمرض السكري وارتفاع ضغط الدم وأمراض الكبد، واحتجزته في حبس انفرادي مدة طويلة، وتجاهلت التحذيرات العامة المتكررة بأن قلة الرعاية الطبية المناسبة يمكن أن تكون قاتلة.

سارة ليا ويتسون، المديرة التنفيذية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة هيومن رايتس ووتش، قالت: “أعتقد أن هناك حجة قوية للغاية يجب تقديمها، ومفادها أن هذا كان إهمالًا إجراميًا، وعملًا منافيًا للقانون تعمّد عدم توفير الحقوق الأساسية للسجناء لمرسي. لقد كان من الواضح أنه خُصّ بمعاملة سيئة”.

لقد كانت وفاته علامة فارقة في انتقال مصر الديمقراطي المشؤوم في مصر بعد الربيع العربي عام 2011.

فاز السيد مرسي، 67 عامًا، بأول انتخابات رئاسية حرّة في مصر عام 2012 كزعيم بارز لجماعة الإخوان المسلمين، لكنه أُطيح من السلطة بعد عام في انقلاب عسكري. ومنذ ذلك الحين، واجه مجموعة كبيرة من التهم، منها الإرهاب والتجسس والهروب من السجن، في محاكمات تقول جماعات حقوق الإنسان إنها معيبة للغاية.

نبيل صادق، المدعي العام المصري، قال في بيان، إن محمد مرسي كان في المحكمة لمواجهة تهم التجسس بعد ظهر الاثنين، عندما فقد الوعي وتوفي. وسبق للسيد صادق أن قال إن السيد مرسي تحدث لمدة خمس دقائق من داخل القفص الزجاجي حيث يُحتفَظ بالسجناء قبل رفع الجلسة. بعد لحظات انهار السيد مرسي ونُقل بسرعة إلى المستشفى، حيث أُعلن نبأ وفاته فور وصوله.

في تعليقاته الأخيرة، واصل السيد مرسي الإصرار على أنه كان الرئيس الشرعي لمصر، حسبما قال أحد محاميه لوكالة أسوشيتيد برس.

الرئيس الأول المُنتخب بحرية في التاريخ العربي، والإسلامي الأول الذي يشغل هذا المنصب، اُنتخب السيد مرسي في 17 يونيو 2012، قبل سبع سنوات من وفاته. كان انتخابه ذروة انتفاضة الربيع العربي، وكان نقطة انطلاق لجماعة الإخوان المسلمين، وهي حركة إسلامية عمرها 91 عامًا، تأسست في مصر ويمتد تأثيرها إلى جميع أنحاء العالم العربي.

بالنسبة إلى كثير من المصريين، كان انتخاب السيد مرسي أملهم الأكبر في القطيعة بشكل نهائي مع تاريخ البلاد الطويل من الاستبداد، بعد عقود من الحكم القاسي والفساد في عهد الرئيس حسني مبارك، الذي أطاحته ثورة 2011.

كان بعض المصريين قلقين من أنه قد يفرض قوانين أخلاقية إسلامية صارمة، في حين تخوّف النقاد في واشنطن وفي المنطقة من أنه ربما يسعى لتأسيس شكل من أشكال الحكم الديني.

فاجأ السيد مرسي الكثيرين بالسعي إلى علاقات ودية مع الولايات المتحدة، والحفاظ على العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل. لقد طور علاقة عمل دافئة مع الرئيس باراك أوباما، وعمل الرجلان معًا للمساعدة في وقف موجة القتال بين إسرائيل وحركة المقاومة الإسلامية (حماس) في خريف عام 2012.

ولكن في الداخل، كان حكم السيد مرسي مضطربًا منذ البداية. حكم برعونة، في مرحلة ما أصدر مرسومًا قال النقاد عنه إنه وضعه فوق سيادة القانون. وقال المؤيدون إن المرسوم كان جزءًا من جهوده للتعامل مع مؤسسة أمنية معادية تعمل بنشاط على تقويض سلطته.

في مطلع صيف عام 2013، قامت الاحتجاجات الكبيرة ضد السيد مرسي شاغلة ميدان التحرير، موئل انتفاضة عام 2011، مما وفرت للجيش ذريعة لإطاحته.

استولى الجنرال عبد الفتاح السيسي، وزير دفاعه، على السلطة في 3 تموز/ يوليو 2013. بعد ستة أسابيع، أعدمت قوات الأمن المصرية بالرصاص ما لا يقل عن 817 محتجًا، معظمهم من جماعة الإخوان المسلمين، فيما وصفته جماعات حقوق الإنسان بأنه أكبر قتل جماعي للمتظاهرين في التاريخ الحديث.

السيد مرسي في أول ظهور له بعد الانتخابات في عام 2012 في ميدان التحرير، حيث أدى اليمين الدستورية أمام مؤيديه. إد جيللز/ صور جيتي

انتُخب السيد السيسي رئيسًا عام 2014 وما زال يحكم البلاد بقبضة حديدية، مع تلاشي الآمال الديمقراطية لمصر إلى حد كبير.

تم إجراء استفتاء في نيسان/ أبريل، للسماح للسيسي بالبقاء في السلطة حتى عام 2030 بأغلبية ساحقة في تصويت مخزٍ لم يسمح فيه بأي صوت معارض.

قدمت القنوات التلفزيونية المصرية، التي تخضع لسيطرة محكمة من قبل الأجهزة الأمنية، تغطية مبهمة لوفاة السيد مرسي. لم يقطع البعض منها برامجها المعتادة للإبلاغ عن وفاة الرئيس السابق.

بثت قنوات أخرى لقطات تصوّر جماعة الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية. “الأكاذيب جزءٌ لا يتجزأ من جماعة الإخوان المسلمين”، قال أحدهم على محطة CBC Extra، وهي محطة خاصة، بعد مقطع أظهر مقاتلي الدولة الإسلامية يهددون بمهاجمة الجنود المصريين.

لم يصدر أي تعليق فوري من مكتب الرئيس السيسي.

حفنة من الناس في مصر من الراغبين في التحدث بالتعاطف مع السيد مرسي تجنبوا الحديث عن سياساته وركزوا على ظروف اعتقاله. وقال جمال عيد، وهو محام ومدافع عن حقوق الإنسان، عبر الهاتف من القاهرة: “لقد كان ضحية ظروف السجن الوحشية”.

كان السيد مرسي قد اُتهم بارتكاب جرائم مختلفة في محاكمات مسيّسة امتدت عبر محاكم مصر المتثاقلة. في عام 2016، أخبر ابنه (عبد الله) صحيفة نيويورك تايمز أن الأسرة تخشى أن يقع الرئيس السابق في غيبوبة ناتجة عن مرض السكري.

على عكس معظم السجناء في السجون المصرية، مُنع السيد مرسي من استلام المواد الغذائية والأدوية من أسرته، كما قالت السيدة ويتسون من (هيومن رايتس ووتش). بالإضافة إلى احتجازه في حبس انفرادي، مُنع من التواصل مع وسائل الإعلام أو إرسال الرسائل أو غيرها من الاتصالات مع العالم الخارجي. ولم يُسمح لزوجته وأفراد أسرته الآخرين بالزيارة إلا ثلاث مرات خلال السنوات الست التي كان فيها مُعتقلًا.

في شهر آذار/ مارس من العام الماضي، خلصت لجنة من السياسيين والمحامين البريطانيين الذين يشرفون على علاجه إلى أن السيد مرسي تلقى “رعاية طبية غير كافية، وخاصة عدم كفاية علاج مرض السكري ومرض الكبد”.

وحذرت المجموعة من أن عدم تلبية ما يؤمن علاجه يمكن أن يعرض حياة السيد مرسي للخطر. في بيان صدر يوم الاثنين، قال كريسبين بلنت، عضو البرلمان الذي ترأس اللجنة: “للأسف، لقد تبين أننا كنا على صواب”.

أمر السيد صادق، المدعي العام المصري، بإجراء تحقيق فوري في سبب الوفاة. وقال في بيان إنه سيسعى للحصول على الملف الطبي للسيد مرسي، ويطلب من لجنة إعداد تقرير عن سبب الوفاة.

وقال البيان إن المحققين سيستخدمون لقطات المراقبة من قاعة المحكمة واستجواب الشهود الذين كانوا مع السيد مرسي عندما مات.

بعد إطاحة السيد مرسي، سعى السيد السيسي إلى تشتيت جماعة الإخوان المسلمين، واصفًا إياها بأنها جماعة إرهابية، ولم يدخر جهدًا يذكر لتشويه سمعتها بين الجمهور المصري. معظم قادة الإخوان في السجن أو المنفى، والآلاف من أعضائها يقبعون في السجون المصرية المزدحمة.

السيد مرسي خلف القضبان أثناء محاكمته في القاهرة في أكاديمية الشرطة، عام 2016. خالد دسوقي/ وكالة الصحافة الفرنسية- صور جيتي

 

في نيسان/ أبريل، ضغط الرئيس ترامب لتصنيف جماعة الإخوان المسلمين منظمة إرهابية تحت ضغط من السيسي، وهو حليف موثوق. اعترض البنتاغون ووزارة الخارجية، قائلين إن تعريف الكيان الإرهابي لا ينطبق على الجماعة.

وُلد السيد مرسي في عائلة متواضعة في الشرقية بدلتا النيل. وحصل على الدكتوراه في علوم المواد من جامعة جنوب كاليفورنيا، ودرّس لاحقًا في جامعة الزقازيق بالقرب من الشرقية. لم يكن معروفًا للجمهور المصري، ولمعظم الإسلاميين، قبل ترشحه للرئاسة عام 2012.

اختار الإخوان في البداية شخصية أكثر ديناميكية ومعروفة كمرشح لها. لقد حصل السيد مرسي، المرشح، على الترشيح فقط عندما استُبعد الخيار الأول.

في حديث خاص، ينتقد العديد من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين السيد مرسي بسبب إخفاقاته خلال السنة التي قضاها في منصبه، ولا سيما فشله في بناء دعم شعبي أوسع والتغلب على أجهزة الأمن العدائية وعلى السيسي.

لم يقد السيد مرسي جماعة الإخوان المسلمين، وهو منصب يشغله محمد بديع، مرشدها الأعلى، منذ عام 2010. كما سُجن السيد بديع في عام 2013 وحُكم عليه بالسجن مدى الحياة وعقوبة الإعدام في محاكمات مختلفة منذ ذلك الحين.

من غير المرجح أن يكون لوفاة السيد مرسي تأثير كبير على الاتجاه الحالي للجماعة، التي تعيش بالفعل تحت الأرض بفعل القمع الذي أعقب إطاحته.

بيتر ماندافيل، الأستاذ بجامعة جورج ماسون والمستشار السابق لوزارة الخارجية الأميركية حول قضايا الإسلام السياسي، قال: إن وفاة السيد مرسي كان يتردد صداها لما هو أبعد من جماعة الإخوان المسلمين مع المصريين الآخرين الذين صوتوا لصالحه أو “لديهم مخاوف بشأن سجل الحكومة الحالي لحقوق الإنسان”.

وقال البروفيسور ماندافيل: “لقد رأيت ذلك بالفعل على وسائل التواصل الاجتماعي المصرية. الكل يكتب: “كان هذا الرجل كان سياسيًا ورئيسًا صاحب أخطاء، ولكنهم يقولون إن ما حدث هنا اليوم يخبرنا بشيء عن الحالة الراهنة لسيادة القانون واحترام الحقوق في مصر”.

نعاه ولده أحمد على (فيسبوك)، قائلًا: “أبي، سنلتقي هناك عند الله”.

اسم المقال الأصلي Mohamed Morsi, Egypt’s First Democratically Elected President, Dies
الكاتب ديكلان وولش ودافيد كيركباتريك،Declan Walsh and David D. Kirkpatrick
مكان النشر وتاريخه نيو يورك تايمز،The New York Times، 17/6
رابط المقالة https://www.nytimes.com/2019/06/17/world/middleeast/mohamed-morsi-dead.html
عدد الكلمات 1352
ترجمة وحدة الترجمة والتعريب/ أحمد عيشة

صورة الغلاف: محمد مرسي، أول رئيس منتخب ديمقراطيًا في مصر، خلال مقابلة في القاهرة عام 2012. تارا تودراس وايتهيل لصحيفة نيويورك تايمز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق