هموم ثقافية

الجليل “المقدس” والجميل “المدنس”

ترى، ما هو الفرق بين الجميل والجليل؟ هل هما شيء واحد، أم مختلفان من حيث الخصائص والصفات والوظيفة والمفهوم؟ هل يجوز أن نفرق بينهما، ولماذا؟ أليس الجمال تقليدًا للجلال ونسخة “سيئة” عنه؟ هل يستطيع الإنسان/ الفنان أن يبدع عملًا جليلًا، أم هو محكوم في إبداعه، بمحاكاة المخلوق منذ القدم، وإعادة إنتاجه فنيًا/ جماليًا.؟؟

أسئلة طرحها الكثير من الفلاسفة، محاولين التمييز بين الجميل والجليل وبخاصة (إيمانويل كانط) الذي رأى أن الجمال يخضع للحواس بينما يخضع الجلال للعقل…

ما أعرفه، أن لا وجود لعمل فني جليل، مهما كان متقنًا وعظيمًا! بما في ذلك الإلياذة والأوديسة والموناليزا ومنحوتات ميكيل أنجلو وسيمفونيات بيتهوفن… فطبيعة الجمال مختلفة ومرهونة بالطبيعة البشرية، والفنان “الإنسان” غير مطالب أصلًا بأن يكون جليلًا، وما قول بيتهوفن إن الفرق بين موسيقاه وموسيقى موزارت “هو الفرق بين الجليل والجميل”؛ إلا من باب البلاغة والتورية، فالجليل خارق جبار سام معجز وكامل، ينتمي إلى الطبيعة وظواهرها الخارقة، وهو مصنوع بقدرة “إلهية” أزلية لا نعرفها، تفوق قدرة البشر وأدواتهم.. والجليل غامض، غير مفهوم، ويجب أن يكون كذلك، لأن الوضوح يفسد الجلال! فمن ذا الذي يطالب البحر أو النجوم برسالة أو معنى! وكيف نعرف لماذا وماذا يقصد القمر بحركته وتحولاته الدائبة منذ الأزل!؟ نحن من يقوم بتوضيح معنى الموج والبرق والعواصف، ونحن من يفسر رموزها وأسرارها، ونحن من خاف منها وقدّس سرها وعبدها؛ عندما عجز عن فهمها، قبل الديانات وبعد الحضارات الأولى، بعضها تحوّل إلى خرافة، والآخر ما زال سرًا مغلقًا حتى يومنا هذا.

الجليل حضر ويحضر دون إذن منا، وبمعزل عنا، وهو مقدس راسخ ينتمي إلى الميتافيزيق و”العقل الكلي” ولا تختلف الأجيال المتتالية على عظمته وسموه، كما لا يختلف الجمهور عليه؛ أما الجمال، فهو عمل فردي، لا يحضر إلا بإرادة منا، ومن شروط وجوده أن يكون مفهومًا، وأن يعلن عن حسنه الرشيق، أو أن يحتاج إلى قليل من الذكاء للكشف عنه وفهم مقاصده. وهو محض اقتراح بشري غير كامل أو منجز، مجبول بالعاطفة الشخصية، يختلف الناس حوله، كلٌّ وفق ذائقته وإحساسه ومعرفته.. وهو نسبي متحول من عصر إلى عصر بحسب طبيعة كل عصر ورؤاه..

وإذا كان الضوء جليلًا (الشمس، القمر، النجوم، النار، البراكين) وكذلك الألوان في حضورها البهي (البحر، الصحراء، الغسق، الليل، الدم، الأشجار) فالتأثير الجمالي للضوء واللون، كان -وما زال- مصدرًا لا غنى عنه في الفنون الجميلة، وبخاصة الرسم، لكن هذا التأثير يختلف من فنان إلى آخر (رمبرانت، مونيه، فان غوغ، بيكاسو…) كما يختلف التصوير بالريشة (الرسم) عن التصوير بالآلة (الفوتوغراف، السينما، الفيديو) …

قد يقلد الجميل الجليلَ، نعم، لكن من حيث الشكل فحسب، لأن الجميل لا يصبح كذلك إلا إذا كان له معنى ما؛ فالشكل -بمفرده- عاجز عن تشكيل ذائقة، أو ردة فعل، بينما لا يحتاج الجليل إلى تبرير أو ذائقة أو حوار، إنك تقف أمامه منبهرًا، بينما يكتفي هو بذاته (الجبل، النهر، الغابة، المطر، الموت، الولادة…) ناهيك عن أن الكون يزداد جلالًا، كلما ازددنا معرفة به.

قد يكون الجليل جميلًا وقد لا يكون! وقد نشعر بالجلال في عمل جميل “جماعي” مثل (الأهرامات والعجائب السبع…) لكن هل يجب على الجميل أن يكون جليلًا، هل يحق له ذلك، وهل يستطيع إن أراد؟ من حسن الحظ أنه لا يستطيع! وهو غير مؤهل، وغير مكلَّف بصنع المعجزات، لأن أنامل بشرية هي التي تصنعه، وهو محكوم بالعجز عن الكمال، “ملطخ” بأوحال الذات وشطحات الخيال وشجون الحيوات المختلفة، فلا وجود لفن بشري عظيم بلا خطأ أو “دنس” من نوع ما، وما دعوة الفن للغوص في أعماق النفس والمجتمعات البشرية، إلا محاولة للكشف عن الغنى المستور الكامن فيها، من تناقضات ورغبات وبوح ونزوات وجموح وصراع وشهوات وميول وأهواء وشغف وضعف… فالنفس البشرية العارفة، هي خزان الجمال الإنساني، ولا يمكن الكشف عنه إلا بحضور الحرية والانعتاق من السائد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق