تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

الهدنة الروسية تكتيك مؤقت ضمن الاستراتيجية الكلية في إدلب

بعد الانكسارات المتتالية التي وقعت بها موسكو، على أبواب حماة واللاذقية مؤخرًا، بفعل هجوم معاكس لفصائل المعارضة، أعلنت روسيا، ليل الأربعاء الماضي، هدنة هي الثانية خلال شهر، لوقف إطلاق النار، وقال رئيس مركز المصالحة الروسي في سورية، الجنرال فيكتور كوبتشيشين: تم التوصل إلى “اتفاق ينص على الوقف التام لإطلاق النار في كامل أراضي منطقة إدلب، ابتداءً من منتصف ليلة 12 حزيران/ يونيو”، مشيرًا إلى “تسجيل انخفاض كبير في القصف من قبل الفصائل في المنطقة بفعل الهدنة”.

لكن أنقرة كذّبت الرواية الروسية عبر وزير الخارجية التركي ” مولود جاويش أوغلو” في مؤتمر صحفي مع نظيره الفرنسي “جان إيف لودريان”، وأضاف أن هناك جهودًا متواصلة ومشتركة لتخفيف حدة التصعيد في إدلب، لكن لم يتم الاتفاق معنا بخصوص التوصل إلى هدنة، كذلك نفت مصادر عدة في المعارضة العسكرية علمها بوجود هدنة، وأكدت مواصلة القتال ورص الجبهات، وحذرت من الانجرار وراء أي ادعاء روسي لأي هدنة، وصرح قائد العلميات في “جيش العزة”، مصطفى بكور، لإحدى وسائل الإعلام، أن الهدنة الروسية هي من طرف واحد، وهدفها إعادة ترتيب الصفوف والانتشار على جبهات القتال، بهدف التحضير لهجوم في الأيام القادمة، وفي الوقت نفسه عدّ موسكو راغبة في سحب فصائل عدة من جبهات القتال، وفي إعادة توزعها من دون أي مضايقة.

وقد شهدت جبهات القتال، بعد نبأ وفاة عبد الباسط الساروت، نوعًا من الهدوء، باستثناء استمرار القصف بالطائرات على المناطق الحيوية في مناطق المعارضة، كما تعرضت، للمرة الثالثة، نقطة المراقبة التركية في شير مغار بريف حماة، لقصف بالقذائف المدفعية، وقد تعدّدت الروايات حول المسبب، ولا سيّما أنها جاءت عقب إعلان روسيا موعد الهدنة، واللافت، هذه المرة،هو ظهور حرب التصريحات والاتهامات الروسية التركية، فلأول مرة تبتعد موسكو عن نسق تفاهماتها مع تركيا بهذا الشكل، بل ذهبت في اتجاه التأليف والترويج على لسانها، بموافقتها على الهدنة، وتواصلها مع روسيا من أجل استهداف مراكز الإرهابين، وجميع تلك الروايات تمّ نفيها من قبل روايات تركية مضادة، حيث نفت وزارة الدفاع التركية تبريرات روسيا، واتهمت النظام بقصفه نقطة المراقبة بـ 35 قذيفة مدفعية، عقبها تصريح للرئيس رجب طيب أروغان ليل الجمعة الماضي، أعلن فيه حتمية الرد على النظام إذا استمر في قصف النقاط التركية، وطالب موسكو بممارسة الضغط على النظام لوقف اعتداءاته.

المعطيات المذكورة جاءت بعد تعرّض موسكو لخسارات كبيرة على جبهات حماة، حيث وثّقت العديد من المصادر خسارة روسيا والنظام أكثر من 600 قتيل للقوات المشاركة وميليشيات النظام وقوات سهيل الحسن في جبهات القتال، وخلال المرحلة الأخيرة من المعارك، حقّقت المعارضة نصرًا استراتيجيًا في انتزاع مكاسب عسكرية على الأرض، ونجحت في نقل المعارك، لأول مرة، إلى مناطق الاحتلال الروسي والنظام، واستطاعت عبر تكتيك جديد قطع إمدادات النظام وروسيا في مناطق تواجدهم في كفرنبودة بريف حماة، عبر قطع طريق الإمداد المُمتد بين محردة والسقيلبية، معقل تواجد القوات الروسية، كما أكدت العديد من المصادر الميدانية سحب روسيا قاعدة عسكرية صغيرة لها في تل صلبا القريب من حيالين.

سبب إعلان الهدنة

مُجمل التطورات والمتغيرات الجديدة، دفعت المحتل الروسي للإعلان عن هدنة من طرف واحد، زجّت بها اللاعب التركي بهدف إحراجه أمام الأطراف المحلية والحاضنة الشعبية على الأرض، إلى جانب تحقيق أهداف عدة:

1- على الرغم من خسارة موسكو المعارك الأخيرة، لكن إعلانها هدنة من طرفها فقط، دليل على أنها ترغب في استكمال ما بدأت به وتطمح للوصول إليه، وهو تأمين العمق الاستراتيجي لمناطق نفوذها في السقيلبية، وقواعدها العسكرية في حميميم وطرطوس، بمعنى أن إعلان الهدنة ليس بهدف تقديم تنازلات للطرف التركي والعودة للمفاوضات، بل هناك نيّة روسية لاستكمال استراتيجيتها في إدلب عبر تنفيذ سياسية القضم المتقطع في سبيل الوصول إلى الهدف الكلي المنشود.

2- ترغب موسكو في إعادة شق صفوف المعارضة وتشتيتهم، بعدما تفاجأت بالتكتيك الجديد المتبع من المعارضة، في وحدة الصفوف والالتزام بالخطط العسكرية المُخصصة لفتح جبهات عدة ومغايرة، في محاور الهجوم الروسي.

3- دخول سلاح التاو الأميركي على خط القتال أحد أهم الأسباب وراء إعلان موسكو الهدنة، فموسكو اتهمت تركيا بتزويد المعارضة، وحاولت عرقلة مساعي تركيا في إسناد الفصائل، عبر مطالبتها مجلس الأمن بعقد جلسة عن إدلب، لكن الولايات المتحدة رفضت، بهذا الصدد تخشى روسيا من وصول سلاح أخطر إلى يد المعارضة بضوء أخضر أميركي، كسلاح مضاد للطيران، لذا فإن التريث قبل الدخول في معركة جديدة يتطلّب إعادة النظر في الموقف السياسي الأميركي التركي في إدلب.

4- الجانب الأهم هو إدراك موسكو فشل قوات النظام في الصمود في المعارك، بعدما وصلت تقارير عدة لغرفة العمليات في قاعدة حميميم، تفيد بتقاعس قوات النظام في جبهات القتال ومحاولتهم الهروب أكثر من مرة أمام ضربات الفصائل العسكرية، والمعلومات على الأرض تشير إلى محاولة روسيا التنسيق مع حزب الله وإيران بهدف استبدال قوات النظام بقوات مرتزقة من إيران وحزب الله، واستجلاب قوات من شركة فاغنر الروسية، للتحضير لجولة ثانية من المعارك.

5- تريد روسيا هذه المرة أن تضمن نتائج المعارك قبل الخوض فيها، ولا تريد تكرار الخسارات التي تعرضت لها مؤخرًا، وبالوقت نفسه تُحاول تبريد الموقف الأميركي وتمييعه، بهدف غضّ طرفه عن معاركها القادمة، وقد نجحت في المعارك الأخيرة بهذه الاستراتيجية لحدّ ما، عندما صرّحت أميركا عن عِلمها بالمعارك الجزئية، وقالت: إن موسكو أبلغتنا بهدف معاركها في إدلب، لتأمين قاعدتها في حميمم من ضربات الإرهابين، على حد وصفها، وتفسير الموقف الأميركي يشير إلى نجاح روسيا سابقًا في سياسية اللعب على المتناقضات والتوازنات مع أميركا في أكثر من ملف، ومن المُرجح أن روسيا ستستمر في التكتيك ذاته لشن علميات أخرى.

خلاصة

بعد الإعلان عن الهدنة الكاذبة التي هدفها إعادة ترتيب الصفوف، تتواتر الأنباء عن حشود عسكرية روسية ضخمة، في حميميم وطرطوس، هي الأضخم منذ حملة الاجتياح في 26 نيسان الماضي، بالمقابل هناك حشود تركية ضخمة وصلت للمعارضة في مناطق التماس، بهدف تثبيت نقاط التقدم في المحاور المُتقّدمة شرق وغرب ريف حماة وريف اللاذقية، وتحسين الخطوط الدفاعية، الأمر الذي ينذر بمرحلة هي الأعنف، ستشهدها منطقة خفض التوتر الرابعة في الأيام القادمة، وقد كشفت التطورات الميدانية على الأرض مدى وحجم التفاهمات الروسية التركية، فعلى الرغم من فاتورة الخسارات الكبرى لروسيا في معارك حماة، لكن القنوات الدبلوماسية بين طرفي سوتشي لم تتوقف، مع فارق وجود اختلاف في الروايات و الاتهامات بين النفي والإثبات، وبناءً على ذلك فإن أيامًا حاسمة في انتظار الفرقاء والحلفاء، وقد يُكشف نهائيًا مصير التفاهمات المشتركة في مسارات أستانا وسوتشي، التي وصلت مؤخرًا إلى سياسة حافة الهاوية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق