سلايدرقضايا المجتمع

عيّنة من السوريين أكثر التصاقًا بالنظام

في منطقة خلاّبة في جنيف، تستطيع أن ترى كيف اجتمعت يد الله ويد الإنسان، لجعل هذه المنطقة من أجمل بقاع العالم، في هذا المكان دُعيت إلى حضور ملتقى للسوريين، نظمته إحدى الجهات الأوروبية، بهدف التقريب بين وجهات نظر المعارضين والموالين السوريين، وخلق نوع من التواصل بينهم، وتعرّف بعضهم إلى بعض، كان هناك أشخاص قادمون من المنافي الأوروبية، ومعظمهم معارضون لنظام القتل في سورية، وكنت بينهم، وكان هناك آخرون قادمون من الداخل السوري، وقد بدت عليهم علامات الحذر والخوف حتى من ذكر أسمائهم (فقد اعتادت الجهة المنظمة وضع لوحة اسمية لكل شخص مشارك).

عندما بدأ النقاش (أو الشجار)، وجدتُ نفسي مذهولًا أمام هؤلاء القادمين من الداخل السوري، إذ بعد سنوات من الثورة السورية، وبعد سنوات من القتل والهدم والتدمير، ما زال هؤلاء على الخطاب نفسه، والعقلية والذهنية ذاتها التي روّجت لها العصابة الحاكمة في دمشق، على مدى سنين وعقود طويلة، وتتلخّص بمقولة (الزعيم): أنا الوطن والوطن أنا.

على مدى يومين، دار نقاش حامٍ استمع فيه الحاضرون، وبخاصة القادمين من الداخل، لمصطلحات وتعابير لم يألفوها، وكان لها وقع الصدمة على مسامعهم، وبدا ذلك على وجوههم ونظراتهم، مثل: النظام السوري، الثورة السورية، الديكتاتور، الحقوق وحكم القانون، دولة المواطنة، بشار الأسد من دون كلمة “السيد الرئيس”، أو من دون إلحاقها بصفة (تليق) بهذا الاسم، إلى آخر هذه المصطلحات التي لا تروق لهم، بل يخافون سماعها، وهم الذين اعتادوا سماع مصطلحات (قائد المسيرة، القائد المفدى، الحزب القائد، المؤامرة، الخونة الذين باعوا الوطن، الإرهابيون، أعداء الوطن)، إلى آخر هذه المصطلحات التي حفظوها عن ظهر قلب، ولا يريدون نسيانها، حتى إن إحدى الحاضرات احتجت، وبشيء من اللطافة والكياسة قالت: لماذا تقولون: (النظام السوري)؟ فهذا المصطلح نسمعه دائمًا من القنوات المغرضة التي تدعو إلى سفك الدم السوري.

طبعًا، هذه العيّنة من السوريين التي جاءت بها الجهة المنظمة، هي من أكثر العينات التصاقًا بالنظام السوري، ووجدنا أن من الطبيعي أن يحتدّ النقاش بيننا، لأننا نملك رؤية مغايرة تمامًا لفهمهم ولما يدور في سورية، ومن الطبيعي أن يستغربوا أن الأوروبيين يقفون باحترام للمعارض السياسي، ويستمعون لمعاناته في سجنه، وهو نفسه المعارض الذي يعدّه (قائدهم المفدى) عميلًا وخائنًا وإرهابيًا وبعيدًا كل البعد من المجتمع “المتجانس” الذي يروج له قائد مسيرتهم (المظفّرة).

كيف تشرح لهؤلاء أن صاحب الرأي المعارض ليس خائنًا، وأن له الحق في العيش في بلده معززًا مكرمًا، وليس في المنافي الباردة، كيف تشرح لهؤلاء أن هناك بلدانًا تعيش من دون زعيم على الطريقة السورية، وأن الزعيم فيها ليس أكثر من موظف يؤدي خدمته ويُحاسب على أي تقصير أو خلل، كيف تشرح لهؤلاء أن العيش في الوطن حق لكل أبنائه، وليس مكرمة من (السيد الرئيس) تستوجب الشكر والعرفان بالجميل، وأن الحرية مغروسة في وجدان ومشاعر كل سوري، ولا يخفيها إلا القمع والخوف من القائد (المفدى) وعصابته.

إذا كان للمرء أن يتفهّم موقف تلك العيّنة من السوريين الأكثر التصاقًا بالنظام، فماذا عن آخرين يعدّون أنفسهم مثقفين ومعارضين، وقد تنطّحوا في زمن ما للعمل السياسي، وللنضال ضد الاستبداد، وذاقوا طعم سوط الجلاد، وعاشوا صقيع السجون الرطبة، وماذا عن الممثلين السوريين، عدا قلة منهم، الذين يُسمّون أنفسهم (فنانين)، والذين صرعونا ببطولاتهم الدونكيشوتية حول محاربة الفساد ونصرة الحق، والذين تسابقوا لشطب أسمائهم من “بيان الحليب” لأطفال درعا، الذي سمّوه (تحت سقف الوطن)، بعد حملة شعواء ضد الذين وقّعوا عليه في 28 آذار/ مارس 2011، وكان من بينهم أسماء كبيرة، بل أصدروا بيانًا توضيحيًا أنهوه بعبارة توضح مدى الخوف والرعب الذي يتملكهم من إقدامهم على هذه الخطوة: (ويبقى سقف الوطن هو سيد الوطن السيد الرئيس بشار الأسد).

الحقيقة أني لا أعرف إن كان هؤلاء يشعرون بالندم وبالخجل من أنفسهم، وبخاصة المعارضين السياسيين منهم، والذين يتذكرون نضالاتهم ضد نظام الأسد الأب بشيء من الفخر والاعتزاز بالنفس! ولا أعرف كيف انقلبت مفاهيم الحرية والثورة ضد الاستبداد عندهم، وأصبحت “مؤامرة” لاغتيال الوطن وقائد الوطن والموقف (الممانع والمقاوم)، حتى الصمت كان صعبًا عليهم.

في النهاية يجب الاعتراف بأن التباين الشديد في وجهات نظر السوريين، والطريقة الوحشية التي تعامل بها النظام مع ناس طالبوا بالحرية والكرامة وبعيش كريم، والتباين الشديد بين تعاطف السوريين مع بعضهم البعض، مثل وجود تظاهرة وقمع وقتل هنا، وحياة طبيعية في منطقة أخرى، دليل على أن السوريين لم تجمعهم في يوم من الأيام هوية وطنية جامعة، وأن الانقسام الحاصل على المستوى الوطني يحتاج إلى عمل كثير، أوله أن بناء هوية وطنية سورية يحتاج إلى وقف القتل والتدمير، وإلى مشروع وطني مشترك وعقد اجتماعي يضعه السوريون أنفسهم، مع التركيز على العامل الاقتصادي، لأن أي انتماء إلى وطنٍ، لا يوفر لك أسباب الحياة والعيش الكريم واحترام حقوقك، هو ضرب من الخيال.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق