تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

العسكر العربي والإجرام المتشابه

إنّ دعوة المجلس العسكري السوداني كلَ القوى السودانية إلى الحوار بلا شروط، تماثل ادعاء إخوة يوسف أن الذئب أكله، فهي دعوات للتسويق الإعلامي، وكسب الوقت، وفي السياق ذاته يندرج كلام نائب المجلس حميدتي بأن المجلس العسكري لا يطمح إلى السلطة والحكم، وما أشبه كلامه بأيمان السيسي عقب انقلابه، فقد علمتنا التجارب أنّ العسكر لا يصدقون، وقد كشف فضّ اعتصام السودان حقيقة واضحة لا تحتاج إلى كشف، لكنّنا نتعامى عنها، ونجهد في خديعة أنفسنا بشعارات العسكر “هيبة الدولة، سيادة القانون، حماية الوطن…”  الذين حكمونا بالحديد والنار، منذ الاستقلال الشكلي لبلادنا، فسرقوا ثروات الأمّة ونهبوها، بدعوى حماية ثورات التحرر الوطني والشعوب، واستعادة المقدسات، وحماية الحدود، فمن انقلاب حسني الزعيم في سورية على الرئيس الشّرعي المنتخب، إلى انقلاب جمال عبد الناصر، وصولًا إلى انقلاب عبد الفتاح السيسي، وتمرد الجنرال حفتر، لم ترَ الشعوب العربيّة خيرًا على أيدي العسكر الذين سحقوا -بإجرامهم- الشعوب العربية المتطلعة إلى حياة حرة كريمة، فهؤلاء العسكر أذناب الاستعمار، بل هم نوّابه وأذرعه في بلداننا.

في سورية، لم يكن للعسكر أي دور إيجابي في جلاء المحتل الفرنسي عن سورية، إذ أُجبرت فرنسا على الرحيل بفضل حركات التحرر والثورات التي قادها رجال وطنيّون، أمثال إبراهيم هنانو، في حين كان العسكر يخدمون في الجيش الفرنسي جنودًا طيّعين تمامًا، كما يخدم حميدتي ورفاقه نظام البشير، وعرقل العسكر لاحقًا نهوض سورية وأعادوها إلى استعمار جديد، ببطشهم الذي بدأ بانقلاب حسني الزعيم، كما أسلفنا، واستمر في التصاعد وصولًا إلى انقلاب حافظ الأسد على رفاقه والشعب عام 1970، بعد سلسلة انقلابات عسكريّة استنزفت البلاد، ومنعتها من السّير نحو الاستقلال الحقيقي، ومن بناء تجربة ديمقراطية، ولا يختلف السيناريو المصري والعراقي والسوداني والجزائري والليبي عن السيناريو السوري إلا شكلًا، فالعسكر، عبر تاريخهم الأسود، عينهم على الكرسي، وهدفهم السلطة لأجل السلطة من دون أيّ حساب آخر.

فالبلاد العربيّة حصلت على استقلالها الشّكلي منتصف القرن العشرين، مع اليابان وكوريا الجنوبية اللتين أضحتا في مصافّ الدول المتقدمة، لكنّ بلادنا ازدادت تخلفًا، مقارنة بما كنّا عليه، بل إنّ الاستعمار المباشر لبلادنا ترك هامشًا من الحريات، ما وجدنا عشرها في ظل العسكر، بل إنّ العسكر فشلوا في اختصاصهم، فحوّلوا الجيوش الوطنيّة إلى ميليشيات، هدفها حماية المستبد لا الوطن والشعب، وتحوّلت مهمتهم من حماية الحدود إلى قتل وقمع الذين هم داخل الحدود، وأهدروا ثروات البلاد ومقدراتها في شراء الأسلحة وتكديسها، لمعارك ما جاءت إلا ضدّ الشعب، فحدود سورية بقيت آمنة نصف قرن مع “إسرائيل”، لكنّ عشرات المطارات فُعّلت ضد السوريين، فقتلت مليون إنسان، وهجّرت ملايين.

لكنّ المصيبة العظمى، والجريمة التي لا تُغتفر للعسكر، تمثلت في مصادرة الحريّات، فمنعت بذلك أي عملية نهوض وتقدّم، وامتلأت السجون بأصحاب الرأي الحر والفكر النيّر، وغدت الغيرة على الوطن في ظل حكم العسكر خيانة وعمالة، فلا مكان إلا لمن يمجّد الزعيم، ويسبّح بحمده، وقادت تلك السياسة إلى تدمير الأوطان من الداخل، فالعسكر المستبد لا يستعين إلا بالمنافق السارق، وإن استعان بالشرفاء، فذلك بقدر محدود، لتجميل المشهد فقط، لا للاستفادة من خبراتهم، فلا يوجد في جعبة العسكر خطط تنمية ولا ازدهار.

وتحولت هذه الميليشيات إلى إقطاعيات، إذ توزّع مناصب الجيش على أمراء الحروب “الضباط”، تبعًا للولاء للزعيم، ومن دون أي معيار للمهنية والوطنية، فغدت الجيوش العربيّة جيوشًا مترهلة، فشلت في كلّ مهمة أُسندت إليها.

وليس الغرابة في سلوك العسكر، فهذا ديدنهم، وهذه سياستهم منذ عقود، إنما الغرابة كلّ الغرابة بمن ثار وتمرد على البوط العسكري، ورفض أن يسحقه حذاء العسكر، ثم انخدع بشعاراتهم، حيث نرى بعضهم يراهن على الشّرفاء في المؤسسة العسكريّة، متجاهلًا حقيقة أنّ هؤلاء الشرفاء لا حول ولا قوّة لهم، وأن صوتهم غير مسموع في مؤسستهم، ولو كان لهؤلاء الشرفاء أدنى دور إيجابي في المؤسسة العسكريّة، لما وصلنا إلى هذه الحال.

ما يزيد الأمر سوءًا ارتهان العسكر للخارج، فسابقًا انقسموا في ولائهم بين معسكرين، شرقي وغربي، واليوم السيسي مرتهن للولايات المتحدة، ومن خلفها “إسرائيل”، والأسد مرتهن لروسيا، وقادة المجلس الانقلابي السوداني مرتهنون لثالوث الشرّ العربي.

لا يعني ذلك الدخول في مواجهة مسلحة مع العسكر، فالنتيجة هنا محسومة للعسكر، وستفضي حتمًا إلى انتكاسة المسار الديمقراطي، وربما دمار البلاد وتشريد العباد، كما حصل في سورية، حيث خُدِع الثوار بحمل السلاح، لتنفيذ أجندات ومكاسب لا علاقة للثورة بها، فالعسكر يرغبون بجرّ الثوار في كل بلاد العرب إلى معسكر العنف الذي لا يجيد اللعب في غيره، وبالتالي فإنّ السلميّة الواعية المدروسة تُعدّ اللبنة الأولى لتشييد دولة ديمقراطية وإسقاط العسكر، وألف باء الوعي السياسي التعامل بحذر وريبة مع المؤسسة العسكريّة، ولا سيّما بعد أن كشّرت عن أنيابها، وأفصحت عن نياتها،

وعلى ذلك؛ لا ينبغي التعامل مع العسكر على أنهم شركاء في عملية التحول الديمقراطي، ولا ينبغي التعامل مع القادة بعدّهم ممثلين لمؤسسة وطنيّة (المؤسسة العسكرية)، فهذه المؤسسة مثل الوطن، رهينة وضحيّة في أيديهم، إنهم خصوم الشعب، وعدو التحول الديمقراطي.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق