تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

أثمان الهزيمة الحزيرانية

منذ الزلزال الذي حدث في الخامس من حزيران 1967، لم يحاول أحد أن يدرس الثمن التي دفعته المنطقة منذ أكثر من نصف قرن، باستثناء الدراسات التي قدمها حزب العمال الثوري العربي في الكثير من أدبياته، فقد عدّ هذا الحزب، في دراسته عن هزيمة حزيران، أنّ العدو الإسرائيلي قدّم للعرب فاتورة حسابهم الكامنة في تأخر بنيتهم على كافة الأصعدة، سواء الثقافية منها أو السياسية أو الاجتماعية، ليبيّنوا أن هزيمة حزيران جاءت نتيجة هذا التأخر.

مما لا شك فيه أننا ما زلنا ندفع أثمان هذه الهزيمة الحزيرانية، وما فشل الربيع العربي، وما حدث من ثورة مضادة في سورية ومصر وليبيا، حتى في تونس، على الرغم من الطفرات الإصلاحية، إلا أحد أثمان هذه الهزيمة.

لا بدّ من التذكير سريعًا بما حدث في صباح يوم الخامس من حزيران، والأيام الستة التي لحقته، ففي الخامس من حزيران 1967 سقطنا جميعًا ضحية (البروباغندا الأحمد سعيدية)، وكذلك الآلة الإعلامية البعثية، بأن هزيمة العدو على الأبواب، لنكتشف في اليوم الثاني هول الهزيمة التي لحقت بنا في المنطقة العربية، فإذا بثلاثة جيوش عربية قد تدمّرت منذ اليوم الأول لهذه الحرب، لتفقد مصر سيناء بخيراتها النفطية وموقعها الاستراتيجي، وسورية البعثية، ومهزلة وزير دفاعها حافظ الأسد، الجولان ومدينة القنيطرة حتى قبل أن يسقطا، وهو ما تناقله الجنود المجندون الذين كانوا يرون العدو الإسرائيلي في سهل بحيرة طبريا والحولة، فإذا كانت هذه حال أقوى جيشين عربيين، فكيف بجيش الأردن المهلهل الذي خسر الضفة الغربية وعروس فلسطين، القدس الشرقية.

أهم ثمن دفعته المنطقة هو صعدود البترو دولار ودوله النفطية إلى سدة القيادة، حيث تراجع دور القيادات المسماة وطنية وعروبية، إلى الوراء، وتقدمت هذه الدول النفطية، بارتباطاتها الدولية، لتلعب الدور القيادي والريادي في المنطقة، وكان نتيجتها الأولى والمباشرة تراجع عبد الناصر أمام السعودية، وذلك بتوقيعه اتفاق الانسحاب من اليمن، الذي دفع ثمن الهزيمة الحزيرانية بسقوط قيادته السياسية في ديكتاتورية الحزب الواحد بقيادة محمد علي صالح وعصابته، التي دفعت اليمن إلى المزيد من التأخر، حيث سقط في حرب أهلية مستعرة بين السلطة الاستبدادية، والتطرف السنّوي المتثمل بالقاعدة، والتطرف الشيعوي المثل بالحوثين، لتبرز هذه الحرب الأهلية إلى العلن من خلال ما نشهده اليوم من سيطرة الحوثيين مدعومين بإيران وزبانيتها، على السلطة في اليمن.

الثمن الثاني كان تراجع دور المقاومة الفلسطينية، بعد سيطرتها على ما بقي من  منظمة (تحرير أحمد الشقيري)، فقد وقعت هذه المقاومة في نوع من الانتفاخ، فطرحت شعارات معادية لسلطة الملك حسين بن طلال، المعروف بارتباطاته الأنكلو- أميركية، ومحادثاته السرية مع “إسرائيل”، ولحساب “إسرائيل”، لتنهزم هذه المقاومة هزيمة نكراء في أيلول 1970، حيث خرجوا من الأردن إلى لبنان، حيث لعبوا دورًا ليس لهم، فلبنان ببنيته الطائفية لا يمكن أن يكون هانوي العرب، فانخرطوا في صراعات مع القوى اللبنانية، وطرحوا أن يكون لبنان وطنًا بديلًا، فكان ما عرف بفتح لاند، التي أدت ممارساتها الخاطئة، إلى انهزامها أمام الاجتياح الإسرائيلي في حزيران 1982، فخرجوا من لبنان مهزومين، لتستخدمهم الديكتاتوريات العربية ورقة صراعٍ فيما بينها.

أحد الأثمان كان بالطبع اعترافَ مصر، التي كانت العتلة، في الصراع العربي– الإسرئيلي،  بـ “إسرائيل”، في اتفاقية كامب ديفيد، والأردن في اتفاقية وادي عربة، حيث كان لـ “إسرائيل” ما أرادته من عزل مصر والأردن، وبعد اتفاقية أوسلو منظمة التحرير الفلسطينية، لتفرض شروطها على هذه القوى، مُخرجةً إياها من الصراع.

ثمن من أثمان الهزيمة كان انكشاف عورة الأنظمة العربية، وسقوطها بكل تنوعاتها في ديكتاتوريات صادرت الإرادة الشعبية، ليدخل بعضها في صراع مع البعض الآخر، وعلى سبيل المثال لا الحصر، كان الصراع البعثي العراقي بقيادة الديكتاتور صدام حسين، مع البعثي السوري بقيادة ديكتاتور آخر هو حافظ الأسد، حيث تساقط دورهم بالتدريج، ليصلا إلى ذلك في سقوط الأول عام 2003، وسقوط خليفة الآخر في فخ الحرب السورية، حيث أراد بشار الأسد، الوارث لكرسي السلطة خلفًا لوالده، أن يحافظ على هذه السلطة، فأدخل سورية في صراعات طائفية، وأدخل لدعم سلطته سورية في حالة من الاستعمارات، فكان الاستعمار الإيراني وتوابعه من المليشيات الشيعوية، مثل عصائب الحق، والفضل بن العباس، والحشد الشعبي، وكلّها ميليشيات عراقية، بالإضافة إلى الباكستانيين والأفغان الشيعة، كما إن دور “حزب الله” اللبناني، في دعمه للطاغية بشار الأسد، بات ليس خافيًا على أحد، وعلى الرغم من كل هذه القوى لم يستطيعوا أن يحققوا أيّ نصر على الشعب السوري، فكان اللجوء إلى المستعمر الروسي، لتدفع سورية ثمن هذا الاستعمار غاليًا، بسقوط كل موانئها في يد المستعمر الروسي الذي بات يسيطر على كل الساحل السوري.

دفعت المنطقة ثمنًا غاليًا بتلك الحروب الدنكيشوتية حرب الخليج الأولى، كان أولها الحرب العراقية– الإيرانية، التي دامت ثمانية أعوام، دفع الشعب العراقي أكثر من نصف مليون شهيد، تلاها القرار الغبي للطاغية صدام حسين باحتلال وضم الكويت، ليُدخل المنطقة بحرب الخليج الثالثة، حيث دفع العراق ثمنًا غاليًا نتيجة هذا القرار غير العقلاني، بإدخاله في حصار مرعب، دفع ثمنه غاليًا الشعب العراقي، الذي أُدخل في حرب خليجية ثالثة، أدت بإسقاط الديكتاتور وسقوط العراق في الحضن الإيراني وبشيعوية مرعبة، إلى بروز الداعشية التي احتلت في العراق الموصل وسهل نينوى، وفي سورية الرقة ودير الزور وتدمر، حتى أنها اقتربت من حمص عبر احتلالها للقريتين، ليُعلن عن خلافة إسلاموية، أدت إلى تدمير كاملٍ للعراق ولسورية.

بالطبع هناك أثمان كثيرة أخرى دفعناها نتيجة هذه الهزيمة الحزيرانية، التي كان نتاجها المزيد من التراجع والتأخر، ومن المؤسف أن نقول: إن شعوب المنطقة أُسقطت بيدها، لتتقوقع في قومويتها وطائفياتها ولتتحول إلى وقودٍ لهذه الهزيمة التي نستمر بدفع أثمانها غاليًا.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق