أدب وفنون

الحب في مواجهة الحرب

بعد سنوات من الخراب اليومي، لم يعد بوسع السوريين سوى أن يعيشوا في صلب الحرب ومعها؛ تلك الحرب التي طال أمدها، وأتتْ على الأخضر واليابس من حياتهم وذكرياتهم، في آن معًا. الحرب لا بوصفها مفردة عابرة فحسب، بل كونها أشبه بكائن شديد الألفة أو النفور، يرافقنا، أينما ذهبنا.

في مجموعتها الشعرية الجديدة (أركل البيت وأخرج) الصادرة مؤخرًا عن دار نينوى (دمشق، 2018)، تحاول الشاعرة السورية نسرين أكرم خوري أن تؤنسن الحرب، كزائر، ثقيل الظل، نسي طريق العودة. وباعتبار أنها لا تكف عن اغتيال الحياة، تواجهها الشاعرة بالحب، الحب وحده، على الرغم من تسللها بعناد إلى قلب قصيدتها، لتعمل وبشكل جلي على منحى التداخل، الإشكالي والمدهش، ما بين تفاصيل الحياة اليومية ومفردات الحرب.

ثمة ترويض أو تلاعب بملامح المشهد ومعطياته، وبمنتهى الحكمة والحذر، وذلك من خلال انتقاء العبارة المرجوة أو التنقل بسلاسة وإتقان من مشهد إلى آخر، جلها مشاهد متضادة وحمالة أوجه متعددة، وهو ما يؤدي -بلا شك- إلى مزيد من المزج الحميم وبتآلف نادر ومحبب؛ تقول: “أحرص على طي ثيابك/ بعناية جندي ينظف بنادقه”. وفي مكان آخر من ذات القصيدة، تقول: “زرٌ من قميصك الأزرق/ انفلت/ مثل رصاصة طائشة”.

 

سيرة مدينتها المنكوبة

تكتب نسرين أكرم خوري (من مواليد حمص، 1983)، بكثافة شديدة وموجزة -لغةً ومعنى- سيرةَ مدينتها المنكوبة، من دون أن تخلو كتابتها من حس الفكاهة والمرح: “كنت أتجنب الكتابة عن الحرب خشية أن أوجع الورق”. ثمة ألم وأمل معًا، في درفة واحدة، جنبًا إلى جنب مع الحب والكره، الفناء والبقاء، الفرح والحزن، الأبيض والأسود، الأمس والغد: “نتبرج ونمشي بين الركام/ مثل قبور بفساتين قصيرة ملونة”. تواصل خوري إعادة ترتيب الحياة من حولها، على الرغم من أنه ما من نجاة، أو حتى مجرد بصيص أمل يلوح في الأفق القريب أو البعيد: “أشير إلى البلاد/ ولا أسمع نبضًا”. وحيث الموت المحدق على مقربة منها، تكتب بغير خشية منه، بل متحديةً له، وواصفةً إياه بالوغد: “أستطيع أن أكتب كثيرًا عن الموت/ الوغد الذي يخطئني دومًا”. الموت الذي طالما يلاحقها، في الواقع وفي الخيال أيضًا، تمامًا كظل: “أعضاء مبتورة كثيرة تركتها الحرب في مناماتي/ صباحًا يتحسسني العالم/ ألمًا شبحيا له شكل امرأة”.

تقنية المقطع أو الفلاش

تعتمد قصائد (أركل البيت وأخرج)، من حيث البنية الأسلوبية، تقنية المقطع أو ما يسمى بالفلاش، السريع والخاطف، حيث تتكون كل قصيدة من سلسلة من المقاطع، القصيرة والمتتالية، لتتوالى المشاهد، مشهدًا تلو الآخر، وصولًا إلى النهاية حيث بؤرة التوتر والإدهاش، تقول: “في المدن المنكوبة/ ما زلنا نخرج إلى الشرفات/ كي نرش مواكب الأعراس بالأرز..”، تتابع: “جففنا العنب والتين من أجل الشتاءات الطويلة/ حضرنا أشربة اليوسفي وخزناها في الثلاجات من أجل صيف حار/ بهذه الحيَل كنا نعبر الفصول/ بطزاجة من لم تخطر في باله مواسم القتل”.

الحب والحرب معًا

مجموعة (أركل البيت وأخرج) التي جاءتْ في 116 صفحةً من القطع المتوسط، هي الإصدار الشعري الثاني للشاعرة نسرين أكرم خوري، إذ سبقَ لها أن أصدرت باكورتها الشعرية (بجرة حرب واحدة) 2015، بالإضافة إلى عملها الروائي الوحيد (وادي قنديل) 2017.

في هذه المجموعة؛ تكتفي الشاعرة بتلك المفارقات الفتية والنضرة، سواء اللفظية منها (التعابير) أو البصرية (الصور الشعرية)، في تناولها المحسوس لـ “ثيمتي” الحب والحرب، مثيرةً شهية القارئ بعوالمها المتماسكة ولغتها الهادئة والصادمة في آن.

قصائدٌ تقول الكثير، وبأقل قدر من الكلمات:

“كنت قد قررت أن أسمّي ابنتي (شام)

اليوم لا، لا أريدها أن تصير مقبرةً جماعية”.

……………………………………………

* الكتاب: أركل البيت وأخرج (شعر)

المؤلف: نسرين أكرم خوري (سورية)

الناشر: دار نينوى- دمشق 2018

الصفحات: 116 صفحة

القطع: المتوسط

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق