مقالات الرأي

تحية للعالمة الروسية ماتفييفسكايا

قد يستغرب البعض من كتابتي لهذا الموضوع، ويقول هل هذا وقته؟ فأقول نعم. وسأشرح السبب بمثالين من تاريخ الاستشراق الروسي، لأبيّن مدى أهمية تاريخ العلوم والحضارة، ولو في أصعب الأوقات:

المثال الأول، هو قيام شيخ المستعربين الروس أغناطيوس كراتشكوفسكي (توفي عام 1951) بكتابة أجمل وأروع كتبه (مع المخطوطات العربية) في سنوات الحرب العالمية الثانية، ونشره بعد الحرب مباشرة، والمثال الثاني هو كتابة مؤرخ الرياضيات الروسي أدولف يوشكيفيتش بكتابة بحث عن عالم الرياضيات والفلك والفيلسوف والشاعر الكبير عمر الخيّام (ق 11- 12م) ونشره عام 1948 بعد الحرب، وكان أول بحث في تاريخ الرياضيات العربية في روسيا.

وشاءت الظروف أن أقوم هذه الأيام بزيارة عالِمة روسية جليلة، مؤرخة العلوم العربية واسمها غالينا ماتفييفسكايا، قضت 30 سنة من عمرها وهي تعمل مع المخطوطات العلمية العربية، وتعلمت اللغة العربية من أجل قراءة تلك المخطوطات، وترجمت عشرات المخطوطات إلى اللغة الروسية، وكتبت عليها تعليقات تاريخية وعلمية؛ فأبرزت محتوياتها وما هو الجديد فيها.

بدأنا حديثنا عن سورية التي أحبتها وزارتها مرتين، لحضور مؤتمرات علمية في معهد التراث العلمي العربية بجامعة حلب، قبل 40 سنة، وشرحتُ لها بالتفصيل ماذا جرى، فاندهشت وقالت لم أكن أعلم أن الأمور هكذا، لأن التلفزيون الروسي يقول أشياء أخرى تمامًا، واستغربت أن بشار الأسد طبيب العيون يتحول إلى وحش قاتل، وتأثرت وأعربت عن ألمها مما حدث للسوريين، وقالت لا أستغرب ما يفعلونه في سورية، فالظروف في روسيا أصبحت صعبة جدًا، ونتوقع أي شيء من طبقة الأوليغاركية.

هي عالمة روسية، لكنها أحبّت عملها العلمي مع المخطوطات العربية في الرياضيات والفلك، وتحدثت معها، يوم السبت 15 حزيران/ يونيو 2019، في منزلها المتواضع جدًا مدة 10 ساعات، في مدينتها التي استقرت فيها بعد تنقلات عدة منذ طفولتها حتى اليوم. وأجريت معها مقابلة أمام الكاميرا مدة ساعة، وعلى الرغم من أنها بلغت من العمر 89 عامًا، فإنها ما زالت حيوية وتتمتع بذاكرة ممتازة.

مناسبة زيارتي لها هي انتهائي من تأليف كتابي حول (تاريخ دراسة المخطوطات العلمية العربية في روسيا) وطلبت منها أن تكتب لي مقدمةً للكتاب فوافقت، علمًا أنها انتقلت إلى مجال بحثي آخر، بعد عودتها من طشقند بعد انهيار الاتحاد السوفيتي 1991، حيث كانت تقطن في طشقند (عاصمة جمهورية أوزبكستان السوفيتية) مع زوجها عالم الفيزيولوجيا المعروف كريم رحيموف، الذي تعرفتْ إليه في لينينغراد في مرحلة دراسة الدكتوراه.

حدثتني بقصة عجيبة أنها عندما انهار الاتحاد السوفيتي كانت تعيش في طشقند مع زوجها، وطُلب منها الرحيل إلى روسيا، لأنها لا تمتلك الإقامة الدائمة في أوزبكستان. وعندما جاءت إلى روسيا، قالوا لها أنت لستِ مواطنة روسية، ويجب عليكِ إثبات أنك عشتِ في روسيا 5 سنوات متواصلة. تصوروا كم أساؤوا إلى هذه العالمة!! قالت لي بحزن إنها كانت بلا وطن ولا جنسية، وظلوا يستدعونها إلى المؤسسات الحكومية سنة كاملة، وهي أستاذة في الجامعة وعضو أكاديمية العلوم الأوزبكية وعضو الأكاديمية الدولية لتاريخ العلوم، حتى قدمت لهم شهادات التفوق في المدرسة الابتدائية، وأثبتت أنها درست في أورينبورغ مدة تزيد عن 5 سنوات، عندئذ وافقت الموظفة في قسم الجوازات بانزعاج على قبول أوراقها للحصول على الجنسية الروسية. طبعًا هذا من نتائج انهيار الاتحاد السوفيتي وتدهور سمعة العلماء ومكانتهم.

عندما كان عمرها 11 سنة، نشبت الحرب العالمية الثانية عام 1941 وكانت مقيمة في أوكرانيا، ثم رحلت مع أمها في رحلة قاسية وصعبة جدًا بقطارات شحن البضائع لتصل إلى مدينة أورينبورغ (شرقي روسيا على الحدود الفاصلة بين قارتي أوروبا وآسيا، بنَتها الإمبراطورة آنا بناء على طلب الكازاخ لحمايتهم من غزو البدو الشرسين مثل البشكيريين). واستقر أبوها عالم التاريخ في أورينبورغ، وعندما أنهت المدرسة الثانوية أرسلوها إلى لينينغراد لمتابعة الدراسة الجامعية، فتخرجت من كلية الرياضيات وتابعت الدكتوراه تحت إشراف أحد أكبر علماء الرياضيات في الاتحاد السوفيتي، وهو سميرنوف الذي تعلمنا في الجامعة على كتبه في الرياضيات العالية.

كرّست العالمة الروسية رسالة الدكتوراه لنظرية الأعداد عند العالم أويلر[1] الذي دعاه الإمبراطور بطرس الأول في القرن الثامن عشر، للعمل في أكاديمية العلوم الروسية. فعاش وعمل وأبدع أعظم نظريات الرياضيات في بطرسبورغ. ولكن القدر جمع ماتفييفسكايا بزوجها المستقبلي، وهو أوزبكي فاضطرت إلى السفر معه إلى بلده طشقند، لتعمل في معهد الرياضيات في أكاديمية العلوم الأوزبكية. وهناك قال لها مدير المعهد، وهو العالم الكبير سعيد سراج الدينوف: دراسة أويلر شيء جيد، ولكننا يجب أن ندرس تاريخ العلوم العربية والإسلامية، فهذا واجبنا. فانخرطت في دراسة العلوم العربية وكان ذلك عام 1960.

حدثتني بالتفصيل اليوم كيف تعلمت اللغة العربية، وبدأت قراءة مخطوطات الرياضيات والفلك وكانت تشعر بسعادة ليس لها حدود، لأنها كانت تكتشف مضامين تلك المخطوطات لأول مرة في التاريخ وتنشرها للعالمK ودرست مخطوطات الرياضيات العربية الصعبة، حيث الكلمات بدون نقاط وكان عليها اكتشاف موضع النقاط، حيث درست بشكل دقيق مفهوم العدد وتطوره لدى العلماء العرب والمسلمين، وأشارت إلى أن الجبر أصبح لأول مرة علمًا مستقلًا طُبقت طرقه لحل عدد كبير من المسائل النظرية والتطبيقية.

أمضت ماتفييفسكايا ثلاثين عامًا في ترجمة ودراسة المخطوطات العلمية العربية والإسلامية، ونشرت مئات الدراسات والبحوث العلمية عن الخوارزمي والبيروني والفارابي وابن لبان وابن عراق ونصير الدين الطوسي وابن البغدادي وابن قرة وابن سينا والصوفي والقزويني وأبي عبد الله الخوارزمي والعاملي وغيرهم، وهي تتميز بالتواضع الشديد كعالمة كبيرة، أرى أننا -كعرب ومسلمين- مدينون لها.

وتقول ماتفييفسكايا، في مقدمة كتابها عن دور العلماء العرب والمسلمين في التقدم العلمي البشري: “بدأت، مع تزايد الاهتمام بالمخطوطات العربية ودراسة محتوياتها منذ أواسط القرن التاسع عشر، تتغير الفكرة الخاطئة التي تفيد أن فضل علماء المشرق يقتصر على حفظ التراث اليوناني والهندي ونقله إلى أوروبا. فقد تبيّن أن علماء الإسلام قدّموا إسهامات واكتشافات علمية ونظريات جديدة. وهناك نتائج علمية عميقة تركت أعظم الأثر في أعمال علماء أوروبا في القرون 13-16 م”.

لقد قدّم العلماء العرب –كما تؤكد ماتفييفسكايا- أجوبة على أسئلة العصر، وبلوروا علومًا رياضية جديدة ومستقلة، مثل الجبر وحساب المثلثات المستوية والكروية والطرق الحسابية والهندسة القياسية. ويجدر الذكر هنا أن البروفيسور رشدي راشد انتقد مفهوم نقل العلوم ويقول: ينبغي الحديث هنا عن امتداد وتوسع للرياضيات اليونانية، لا عن مجرد نقلها إلى العربية وعن تشكل علم الجبر بوصفه اختصاصًا مستقلًا بذاته داخل علم الرياضيات.  وتتابع ماتفييفسكايا: “يمكن الوصول إلى هذا الاستنتاج (حول دور العلماء العرب) على أساس دراسات قام بها روزنفلد ب. ويوشكيفيتش أ. حول نظرية الخطوط المتوازية في المشرق القروسطي. وتورد ماتفييفسكايا مثالًا آخر وهو نظريات العلماء العرب حول العدد، وقد قامت بدراستها بالتفصيل.

وهذه بعض الأعمال الرياضية للباحثة، من بين عشرات الكتب وأكثر من 300 بحث ومقالة علمية:

  • دراسات في المثلثات الكروية، من خلال ترجمة وشرح مخطوطة أبي نصر بن عراق (ق. 10) “إصلاح كتاب منالاوس في الأشكال الكرية”. طشقند. 1983.
  • كتاب حول مخطوطة بهاء الدين العاملي (ق. 16-17) “خلاصة أعمال الحساب”، طشقند 1992.
  • كتاب عن حياة وأعمال عالم الفلك عبد الرحمن الصوفي (ق. 10)، موسكو 1999.
  • “كتاب أولغ بك”، موسكو 1997. وفيه تتحدث عن حياة أولغ بك (ق. 14-15) ونشاطه العلمي الكبير. فقد كان حاكمًا لسمرقند وعالمًا كبيرًا وهو حفيد تيمورلنك. وفي عهد أولغ بك، تشكلت في سمرقند مدرسة علمية كاملة تبحث في الرياضيات والفلك في القرن الخامس عشر. وهو الذي أمر ببناء مرصد سمرقند.
  • كتاب: “حول تاريخ الرياضيات في آسيا الوسطى”، طشقند 1962.
  • كتاب: “لمحة من تاريخ حساب المثلثات”، طشقند 1990. وفيه تتحدث عن تطور المثلثات المستوية والكروية في اليونان والهند والعالم الإسلامي.
  • موسوعة “علماء الرياضيات والفلك في العالم الإسلامي في القرون الوسطى ومؤلفاتهم” (ق. 8-17). بالتعاون مع المستعرب الروسي- الأميركي المعروف ب. روزنفلد. وتتكون من ثلاثة أجزاء، يضم الجزء الأول تعريفًا مفصلًا بالعلوم الرياضية العربية، والجزء الثاني -وهو الأهم- يُعرّف بحياة ومؤلفات أكثر من ألف عالم رياضيات وفلك عربي ومسلم، عاشوا بين القرنين الثامن والسابع عشر. وكرس الجزء الثالث من الموسوعة للتعريف بعلماء لم تعرف تواريخ حياتهم، وبمخطوطات مجهولة المؤلف.

من اللافت أن المستشرقين ما زالوا يظهرون اهتمامًا أكبر بالتاريخ العلمي العربي والإسلامي من أصحاب هذا التراث، ويعود ذلك الاهتمام لأسباب عديدة: منها المعرفية العلمية البحتة لرسم صورة متكاملة عن تطور الحضارة الإنسانية، بدءًا من اليونانيين وانتقالًا إلى النهضة الأوروبية، ومنها لأغراض سياسية وأيديولوجية وحتى عسكرية.

أشارت ماتفييفسكايا، في معرض حديثها عن تأثير العلماء العرب في تطور الرياضيات في أوروبا، إلى أن الترجمة من اللغة العربية إلى اللاتينية لعبت دورًا مهمًا في تطور العلم في أوروبا وخاصة الرياضيات. فقد ازدهرت المدارس العلمية في الأندلس في القرن العاشر، مثل قرطبة وإشبيلية وغرناطة، وأصبحت مراكز ثقافية وعلمية كبيرة بعد فتح المسلمين لها. وتوافد إلى الأندلس علماء من كل أنحاء أوروبا، وبدأ عصر الترجمة إلى اللاتينية (ق. 12). وهنا لعبت التجارة دورًا مهمًا بين الشرق وأوروبا، وخاصة عبر صقلية وبيزنطة، وساهمت الحملات الأوروبية (الصليبية) في التواصل الثقافي والعلمي بين العرب والمسلمين وبين أوروبا.

إن الأمم التي لا تحترم تاريخها لا يمكن أن يكون لها مستقبل. والمقصود باحترام التاريخ ليس التبجح بالماضي والتغني به على طريقة أصحاب الشعارات البراقة والطنانة، بل أن نعطي لكل شيء حقه من دون مبالغة ودون نقصان. فلن نستطيع الانتقال إلى بناء مستقبل دون مراجعة للتاريخ واستنباط الدروس، فتطور الحضارة والعلم سلسلة متواصلة لا تنقطع، وكل شعب يضع لبنات في هذا الصرح الحضاري الذي يمتد إلى آلاف السنين.

وهذا المقياس ينطبق اليوم على الثورة السورية، فمن دون مراجعة لتجربة الثورة، وهي بلا شك ثورة عظيمة، وعلى ما رافقها من أخطاء ونجاحات، لن نستطيع التقدم خطوة مهمة وحاسمة نحو المستقبل، لأن الأخطاء مستمرة وأصحاب تلك الأخطاء ما زالوا مهيمنين على المشهد.

___________

[1] ليونهارد أويلر، هو عالم رياضيات وفيزياء وعالم فلك ومنطق ومهندس سويسري، يعد أويلر أحد أبرز علماء الرياضيات في القرن الثامن عشر، كما يُعد أحد أعظم الرياضيين في تاريخ البشرية لاكتشافاته الكبرى في التحليل الرياضي ونظرية الأعداد التحليلية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق