كلمة جيرون

لا تتوقعوا الغفران

إذًا… وصلت العنصرية ضد السوريين فيه إلى أقصاها، وخطاب الكراهية عمّ في كل مكان، ومشاعر الإنسانية لدى الكثير من سكانه تبلّدت، وصار اللاجئون السوريون سبب مصائبه، حتى تلك التي بدأت قبل موسم اللجوء، وقبل الثورة بعقود طويلة، والمضحك أن حتى ظواهر الطبيعة صار لهؤلاء المساكين إصبع فيها…. إنه لبنان.

رغم كل ما قاساه مئات الآلاف من اللاجئين السوريين في لبنان من تمييز وظلم وجور، ورغم الفقر والعوز والوضع الاقتصادي السيئ، ورغم الخوف من النظام ومن حواشيه ومواليه ومرتزقته ما وراء الحدود، إلا أنهم لم يذلّوا أنفسهم للبنانيين، وكل ما طالبوا به أن تفتح دول أخرى حدودها لينتقلوا فورًا من أطلال بلاد الأرز إلى أي بلد آخر يحترم إنسانيتهم، أو يخرج من احتل قراهم ومدنهم ليعودوا إليها بكرامة.

لم يطلب السوريون هناك مالًا من اللبنانيين، ولم يطلبوا من الحكومة اللبنانية أية امتيازات، كما لم يطلبوا تأمينًا صحيًا أو مساعدات اجتماعية أو سكنًا يأويهم، ولم يطلبوا إقامة دائمة أو شبه دائمة، ولم يطلبوا حتى موقفًا سياسيًا تجاه نظام بلدهم الذي هجّرهم وشردهم ودمّر بيوتهم، وكل ما طلبوه أن يكف العنصريون عن عنصريتهم، ويتوقف أنصار “حزب الله” الطائفي عن طائفيتهم، وأن يصمت بعض الوزراء والمسؤولين اللبنانيون المرضى نفسيًا والمعبئين بحقد أزلي عن حقدهم، وأن يعيشوا أيامهم المؤقتة في لبنان بأمان وسكينة ريثما تنتهي الكارثة ويعودوا إلى بلدهم في يوم من الأيام.

مشى السوريون هناك إلى جانب الحائط، وتحمّلوا إهانات المهووسين، ومبالغات ودسائس الأفاقين، وتحملوا ظرفًا معيشيًا مأساويًا، وصمتوا وعضّوا على أصابعهم، وتأسفوا على جار كان بمثابة الأخ والصديق وصار فجأة ذئبًا بريًا أراد الانتقام من الشخص الخطأ.

عمل معظم السوريين في لبنان بأي عمل يقبل بهم، حتى لو كان أقل كثيرًا من مهاراتهم، وقبلوا بأقل الأجور حتى لو كانت لا تكفي إلا لملء البطون الجائعة بالخبز، ولم يُناقشوا في ظروف العمل حتى لو كانت استعبادية، وصبروا وصابروا، ولم يغب الأمل لديهم بأن يعودوا يومًا إلى بلد ديمقراطي حر تعددي، يحترم المواطن ويُكرّمه ويحفظ الحقوق، ويَجبر الخواطر والكسور.

لم تكن ثورة السوريين يومًا ثورة جياع، ولجوؤهم ونزوحهم كذلك لم يكن نزوح جياع، ولا نزوحًا بهدف الهجرة، بل هو لجوء إنساني ناتج عن حرب طاحنة لا ذنب لهم فيها، سوى أنهم قالوا كفى للتمييز، وكفى لحكم الأمن والعسكر، وكفى للحكم الفاسد، حرب شنّها نظام هو نفسه حليف أولئك اللبنانيين الذين يُمارسون العنصرية ضدهم، ويريدون طردهم من لبنان، بل وإذلالهم قبل طردهم.

مخطئ من يعتقد أن الوضع السوري سيبقى كذلك إلى الأبد، ومخطئ من لا يحسب حسابًا للمستقبل، وكل الطغاة عبر التاريخ رحلوا وبقيت شعوبهم، وسورية لن تكون شاذة عن هذه القاعدة، ومن لم يحترم لجوء الضعفاء إليه في وقت الشدة، عليه أن لا يتوقع غفرانًا في وقت القوة، إن كان هناك في لبنان من يتعظ من التاريخ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق