مقالات الرأي

التغيير الوطني الديمقراطي ليس حكرًا سياسيًا.. الساروت نموذجًا

عبد الباسط الساروت، ومثله الآلاف من الشباب السوري، نموذج ناصع للإنسان السوري البسيط، بكل تجليات صدقه وعفويته، بآماله وطموحاته، بسياق متغيراته الواقعية التي فُرضت عليه، وما تخللها من آلام وأخطاء وانزلاقات وممرات إجبارية، كانت عندها القدرة على الخيار مجرد ترف نظري أمام حدة الواقع وقسوته ومرارته.

الساروت لخّص روح النشوة الشعبية بحراكها السلمي والمدني، باندياحه في الساحات الشعبية وتمثيله لتطلعاتها الوجدانية في الحرية والكرامة، حيث حاز إجماعًا شعبيًا عامًا في تلك المرحلة، وفي لحظة موته الحرام أيضًا، وما بينهما من منعطفات وممرات ما زالت قيد شد وجذب، كل بحسب رؤيته ومنطقه وأدلوجته، وهذا خلاف وسؤال في السياسة والتغيير الديمقراطي أيضًا، ذلك التغيير الذي بات إشكالية سياسية وصلت إلى حد التأزم في المسألة السورية، تتأرجح رؤاه ومشاريعه بين نماذج متعددة:

  • أحقية القيادة الشعبية بمرجعيتها التحزبية “ماركسيًا أو قوميًا”، التي ما زالت تصرّ على “شعبوية” الحراك الثوري الشبابي، فإما أن تقوده هي أو تعاديه!
  • نماذج العمل السياسية والمدنية متعددة الأصناف والأنماط والمنصات، من حيث التمثل لمقولات “الديمقراطية” و”حق الرأي الآخر”، وفق رؤى تفترض أن الواقع أنجز ثورته الوطنية وحقق معادلة الدولة المنشودة، وبات التنافس السياسي -وفق النص والشعار- هو التغيير المطلوب، ولا ترى حوار المدافع والطائرات والقتل اليومي!
  • نماذج الانتفاع والكسب السياسي السريع، على حساب موجات الشباب السوري المتعاقبة، قتلًا وتهجيرًا، وهذه تنوس بين القوى السياسية الإسلامية وتحالفاتها العسكرية، وغيرها من رغبوية السلطة من الأحزاب التقليدية المعارضة وافتراض أحقيتها وشرعيتها!

حقيقة الموضوع اليوم هي تجاذبات هذه الأيديولوجيات السياسية بصيغة النفي المطلق، التنكير المطلق، الحواجز الكبرى، تلك التي تتجلى بوضوح في عدد غير منته من القوى السياسية المعارضة المتشكلة والمتكاثرة يومًا وراء يوم، وافتراض رؤية أصحابها أنه الأحق في المقدمة والأكثر تمثيلًا للشارع السوري! وربما تكون بعض هذه الرؤى هي الأقرب إلى المشهد السوري وتطلعاته نصيًا، لكن معظمها، بل غالبها، إلى اليوم، لم يرَ من الفعل السياسي موضوعة الحوامل المجتمعية وشرعيتها الفعلية في الواقع والحركة، هذه التي لم ترتقِ لها بعد قوى المعارضة السياسية، وتصرّ على تجاذباتها البينية، لتظهر هذه النصية اللغوية على شكل استعراض قيمي عرضي لكل حدث سوري، بين القبول المطلق أو الرفض المطلق! وكل يصبغ أدلوجته القيمية ذات البعد الشخصي عليها، ليصبح الساروت وأمثاله من جيل الشباب السوري موضوع تقييم وتنميط سياسي يأخذ صفة ناطقه، وكأن الشاب كان يجب أن يكون ماركس أو نهرو أو عبد الناصر أو غيفارا أو روجيه غارودي أو أي مفكر آخر! بينما الساروت وأمثاله، مثالٌ للبساطة السورية، للظلم السوري، لوجع مقتل إخوته أمامه، للوجود والحضور الشعبي، للروح التواقة للحرية، للسلام، للعدالة، للسوريين حين يغنون أو يرقصون… فهل كانت تستطيع الورود والأغاني أن تصمد في وجه المدافع؟ وهل استطاعت لغة السلاح أن توقف العنف أيضًا؟ وهذه، العمل المسلح العسكري والنموذج العسكري للثورات، من الصعب حسم جدلها والوصول فيها إلى نتائج سريعة، إلا إذا أردنا الإجهاز على المظلومين والمحترقين بنيران القنابل والحصار في معادلة التهجير أو القتل، سلفًا وبشكل أيديولوجي فاقع! وهذا ليس تبريرًا لعمل عسكري، بل فرضية لا بد من البحث فيها، وأخذ مقارباتها النسبية، فبعض الدراسات، من أمثال التي أجراها دانيال رايتر في جامعة توتنهام، أشارت إلى أنه بينما تنجح الثورات الشعبية السلمية بنسبة تتجاوز 55 بالمئة، لا يمكن للمسلح منها أن يتجاوز 23 بالمئة، وما يزال هذا سجالًا، كما أنه ضرورة في التفسير والتحليل وأخذ السياق والأحداث بمجرياتها، وتبدو الحالة السورية حتى اليوم استثناءً عن كلا الإحصائيين!

موضوعة التغيير الديمقراطي هي المسألة المعضلة في الحالة السياسية السورية؛ ففي الخلفية أتت هذه الموضوعة نتيجة جهد وإثمار سياسي لمسار المعارضة السياسية الكلاسيكية في محاولة الخروج من عنق زجاجة الاستبداد، وكسر الجمود السياسي وتدارك الذهاب نحو الهاوية في ظل قيادة البعث، لأفق العمل السياسي المعارض والعلني، فكان أن شكلت صيغة التغيير الديمقراطي التدريجي السلمي، بصيغة إعلان دمشق عام 2005، الذي ضمّ أحزاب التجمع الوطني الديمقراطي (الأحزاب التقليدية المنشقة عن الأحزاب التي شكلت مع حزب البعث نموذجه السلطوي في “الجبهة الوطنية” مبكرًا)، ولجان إحياء المجتمع المدني، وأحزابًا سياسية منفردة، وهيئات حقوقية في مجال حقوق الإنسان، وعددًا من الأحزاب الكردية والكثير من الشخصيات الوطنية المستقلة. وعلى قدر ما اعتبر في مضمونه الأول مشروع عمل سياسي متكامل يستهدف بناء الدولة الوطنية، والحد من تغول السلطة السياسية واستفرادها الدكتاتوري لا بقيادة الدولة فحسب، بل بالهيمنة على كامل مقدراتها السياسية والاقتصادية والتربوية والثقافية والتنموية، وفق نموذج الدولة التسلطية الأمنية ذات القبضة الحديدة، مع القليل من شعارات الاشتراكية الجوفاء وآمال الوحدة العربية الزائفة، في مقابل تطبيق قانون الطوارئ، ومن ثم الإرهاب، وفتح أبواب المعتقلات والسجون على مصراعيها لكل من يعارض أو يفكر في ذلك؛ إلا أن الأحزاب ذاتها اليوم وصيغها النمطية تساهم في الاستعصاء السوري، بتكاثرها وتشظيها! ليثبت الواقع أنه لا قوى إعلان دمشق ولا الإسلاميين ولا الماركسيين أو القوميين يستطيعون احتكار التغيير الديمقراطي، بقدر ما أثبتت مسيرة الشباب السوري أنها لا تشبه أحدًا من هذه القوى السياسية، إلا بشكل متفاوت ونسبي، وبالضرورة يصبح السؤال المطروح اليوم وبكل إلحاح:

متى يمكن لهذه القوى مجتمعة التوقف النقدي على فرضيتي: التوعية الثقافية النظرية التي باتت وصايا إلهية أمام تغولات الدم اللامنتهية، والقيادة الشعبية والثورية التي باتت عبئًا سياسيًا ومحط خلاف وتنابذ لا ينتهي، والانتقال منهما إلى موضوعة العقد الاجتماعي الوطني والبحث المعمق في تقاطعاته ومشتركاته وقواسمه المجتمعية والسياسية، في نموذج يجمع موضوعة الشخصية العمومية، الهوية الوطنية السورية، لتتضمن في طياتها كل الاختلافات والتنويعات السياسية والمجتمعية بشكل متساوٍ، حقوقيًا وقانونيًا، والانتقال منها بالضرورة إلى البحث في آليات العمل الممكنة في أرض الواقع، وفق صيغة عقلانية ومقاربة له في البعد المصلحي العام والمستقبل الممكن وتطلعات ومظالم الشباب السوري، في بحر من تلاطم القوى الدولية وتكالبها على تقاسم الكعكة السورية المترافق مع تغول آلة العسكر الروسية، وإلا فإن هذه القوى ستساهم -من حيث تريد أو لا تريد- في المزيد من التشظي السوري والإغراق في نماذج المحاصصة السياسية التي قد تصل إلى التقسيم، وهذا وبال مطلق، وهو ما لم يرده يومًا جيل الشباب والساروت أولهم.

في صفعة القدر الوحشية، في لعنة الموت، في شبهة الحياة هذه، حيث الحزن والدمع والكلمة شكل عناد، يبقى الساروت في موته المعلن نموذجًا للحرية الحقة، للتفرد، لجيل من الشباب السوري المهدورة طموحاته وأحلامه وآماله والأقسى فيها، هرس آلامه وإغراقه في القهر والعجز لدرجة الإسقاط بيده مرات، فيغتاله التصنيف والتنميط السياسي والأيديولوجي مرات ومرات، قبل أن تُجهز عليه آلة القتل الحرام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق