مقالات الرأي

دعوة لحماية أرشيف الثورة في منصات التواصل الاجتماعي

قامت إدارة (فيسبوك) بحذف كثير من البوستات والفيديوهات والصور المتعلقة بالشهيد عبد الباسط الساروت، بذريعة انتهاك معايير المجتمع وقواعد النشر في (فيسبوك)، كما قامت بإغلاق العديد من الصفحات على خلفية ذلك.

المثير للغرابة في عقوبة (فيسبوك) اتساع نطاقها لتشمل معظم الصفحات التي وردت فيها بوستات عادية في رثاء وتمجيد الشهيد الساروت، من دون أن تكون هناك مضامين تحض على العنف أو الكراهية، ودفع ذلك ناشطين ومنظمات حقوقية إلى إطلاق حملة مضادة، تطالب (فيسبوك) باحترام حرية الرأي والتعبير.

تتأثر قرارات (فيسبوك) عادة بحجم التبليغات ضد موضوع معين، ويمكن أن يكون الجيش الإلكتروني التابع للنظام قد لعب هذا الدور، كما فعل ذلك مرارًا منذ بداية الثورة، لكن حالة من الشك والارتياب تنتاب جمهور الثورة بوجود استهداف متعمد، خاصة مع تراجع واضح في مواقف دول مجموعة أصدقاء سورية باتجاه التراجع عن دعم الثورة، تبعه تغير جذري في خطاب وسائل الإعلام المختلفة، وتحوّل نحو شيطنة الثورة بذريعة الإرهاب والتطرف، بغية تعويم النظام، وما عزز نظرية المؤامرة لديهم قيام إدارة (يويتوب) في خطوة مفاجئة بحذف ملايين الفيديوهات المرفوعة منذ بداية الثورة السورية.

لعبت وسائل التواصل الاجتماعي، ولا سيما (فيسبوك) في الحالة السورية، دورًا مهمًا في إطلاق الثورة، ثم في نقل وبث التظاهرات والدعوة للنشاطات والفعاليات الثورية، وتوثيق اعتداءات قوات النظام وأسماء الشهداء والمعتقلين، ومع مرور الوقت تجمع في (فيسبوك) و(يوتيوب) بشكل أساسي كمّ هائل من الوثائق، بات يشكل أرشيفًا فعليًا للثورة، وتبرز خطورة حذف ذلك الأرشيف الضخم من مواقع التواصل، مع عدم وجود هيئة ثورية أو معارضة مختصة بحفظه والعناية به.

توقفت الأمم المتحدة بشكل مريب عن التوثيق واعتماد أرقام رسمية، مع تجاوز أعداد الشهداء السوريين 250 ألف شهيد، لكن بعض الهيئات الثورية والحقوقية استمرت في التوثيق الميداني، على الرغم من ظهور تفاوت كبير بين مصدر وآخر، بسبب طبيعة وأسلوب التوثيق المعتمد، بينما بقي تقدير أعداد المعتقلين والمختطفين يعتمد اعتمادًا أساسيًا على روايات وأخبار غير موثقة قانونيًا، الأمر الذي أوقع وفد المعارضة في مؤتمر جنيف في ورطة، عندما طالب بإطلاق سراح مئات الآلاف من المعتقلين لدى النظام، من دون امتلاك أو تقديم سجلات تؤكد دعواه.

تظهر أهمية التوثيق من خلال الهزة الضخمة التي أعقبت نشر وثائق (سيزر) لضحايا التعذيب في معتقلات النظام، وكذلك التفاعل الدولي الواسع مع صور ومشاهد ضحايا الهجمات الكيمياوية للنظام.

على الرغم من أهمية الروايات الشفهية والكتابات والمذكرات الشخصية لثوار ومعارضين في توثيق وتأريخ أحداث الثورة، فإنها لا تشكل وحدها أساسًا قانونيًا للمساءلة والمحاسبة، حيث يمكن نقضها بسهولة، وهي تحتاج، قبل اعتمادها والركون إليها، إلى النقد والتمحيص والمطابقة مع وثائق أخرى تعزز مصداقيتها.

سعى النظام لطمس الجرائم والمجازر التي ارتكبها في الثمانينيات عبر إخفاء كافة الأدلة والوثائق حولها، بينما استطاع ناشطون بسهولة تحويل بعض مجرمي النظام إلى المحاكمة، في عدة دول أوروبية، بتقديم أدلة مأخوذة من منصات التواصل الاجتماعي، ما يؤكد الأهمية القانونية لتلك المنصات.

بات التوثيق ضروريًا كذلك لمواجهة التشويه المتعمد للثورة الذي تمارسه ميديا النظام، من خلال إنتاج برامج وأفلام ومسلسلات بشكل منهجي، منها فيلم (مطر حمص) بقصد تشويه حالة حصار وتدمير حمص القديمة، ومسلسل (كونتاك) في تشويه دور رجال الدفاع المدني في إنقاذ ضحايا اعتداءات الكيمياوي، وجاء فيلم (حول الأبناء والبنون) لطلال ديركي المحسوب على الثورة، ليثير إشارات استفهام حول إمكانية تحوير الصور والأحداث لاتجاهات توافق صانعيها.

يُشكّل أرشيف الثورة السورية إرثًا وطنيًا لتوثيق مرحلة مهمة من تاريخ البلاد، إضافة إلى مساهمته في تحقيق العدالة الانتقالية، عبر توثيق الشهداء والمعتقلين والمختطفين وعمليات القصف والتدمير والتهجير والتعذيب والتعفيش.

يجب أن تتضافر جهود كافة الأفراد والهيئات في الثورة والمعارضة الذين بحوزتهم ملفات ووثائق حول الثورة السورية، وأن يجري العمل على تشكيل هيئة خاصة تعنى بتجميع الوثائق والتدقيق فيها والتأكد من صحتها ومصداقيتها، ثم معالجتها وفرزها بحسب مواضيعها، وبعد ذلك يبدأ العمل على تصنيفها وتحليلها ووضعها في إطارها الصحيح ضمن سياق أحداث الثورة السورية.

على خلفية محاولات تشويه صورة البطل ساروت، أطلق ناشطون حملات كثيفة لنشر صور البطل الساروت وكسر الحصار والمنع الذي فرضه (فيسبوك) ويجب أن يكون النجاح في ذلك دافعًا لتضافر الجهود وعدم الاستكانة لتصرفات إدارة منصات التواصل الاجتماعي، سواء في تشويه الثورة أو حذف أرشيفها الرائع من الفضاء العالمي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق