هموم ثقافية

من رحم المصيبة.. تولد الفرصة

فى عام 1831م، كتب فيكتور هوجو روايته الشهيرة (أحدب نوتردام) التي تعد واحدة من أشهر الروايات الأدبية، كما أنها وراء الشهرة العالمية التي وصلت إليها كاتدرائية نوتردام، وتحكي الرواية قصة أحدب دميم المظهر يدعى كوازيمودو، قام بتربيته القس “الدوم كلود فرولو”، كما دربه ليكون قارع الأجراس فيها، وكان يتم اختيار “كوازيمودو” ليكون زعيم المهرجين فى احتفال سنوى يسمى “احتفال المهرجين” وهذا ما لم يرده سيده، حيث أراده أن يقضى بقية عمره فى الكنيسة وألا يظهر أمام الناس -بسبب مظهره القبيح- كي لا يرعبهم! وكانت الفتاة الغجرية أزميرالدا من الشخصيات المهمة فى احتفال المهرجين، واكتسبت إعجاب الناس برقصها وإغراء ملاحقيها، الذين كان من بينهم القس “فرولو”. يعيش “كوازيمودو” كل حياته مختبئًا بداخل كاتدرائية نوتردام، وسرعان ما يقع في حب أزميرالدا، ويحاول التضحية بحياته عده مرات من أجلها.. لقد نجح هوجو في تقديم شخصية كوازيمودو التي تحمل صفات خيالية، حيث تمتزج بمظهر خارجى قبيح ومذموم، بينما في داخله صفات حسنة وطيبة (كان ذلك فى أواخر العصور الوسطى بباريس). وعلى الرغم من قبح كوازيمودو فإن شخصيته تحولت إلى أيقونة، أحبها الصغار والكبار وتعلقوا بها، وأشفقوا عليها وتعاطفوا معها، حتى إن أجراس نوتردام بات يسميها سكان باريس بغناء كوازيمودو. للرواية بعد إنساني وفلسفي مهم حول مفهوم الجمال الداخلي والصراع بينه وبين قبح الشكل الخارجي.

كان هوجو متعدد المواهب، فقد كان شاعرًا ومسرحيًا وروائيًا وكاتبًا للمقال، وكذلك كان ناشطًا اجتماعيًا بارزًا في عصره، واعتبره الكثيرون من ملاحقيه واحدًا من أعمدة الحركة الرومانسية في فرنسا، وقد حفر اسمه في عالم الأدب عبر رواياته، وأهمها “أحدب نوتردام” وهي لا تقل أهمية عن رائعته الأشهر (البؤساء)، وكلتا الروايتين قد ترجمتا إلى الكثير من اللغات حول العالم، وتقع أحداث رواية “أحدب نوتردام” عام 1482 فى عهد الملك لويس الحادى عشر، ومن مفاجآت الرواية التي صدرت للمرة الأولى في عام 1831، أنها تنبأت بحريق الكاتدرائية، من خلال أحد فصولها، عندما يلجأ “كوازيمودو” إلى النيران والحجارة، لكي ينقذ حبيبته “إزميرالدا” من أيدي المجرمين والخارجين عن القانون في باريس، فالكاتدرائية التي تقع في قلب باريس التاريخي (على الجانب الشرقي من جزيرة المدينة على نهر السين)، شهدت تنصيب نابليون إمبراطورًا في عام 1804، وتطويب البابا بيوس العاشر لجان دارك، في عام 1909، وتأبين الرئيسين الراحلين، شارل ديغول وفرنسوا ميتران.. وتعدّ الكاتدرائية من أشهر رموز العاصمة الفرنسية باريس، ويمثل المبنى الذي تم الانتهاء منه عام 1345 تحفة الفن والعمارة القوطية، الذي ساد القرن الثاني عشر حتى بداية القرن السادس عشر، كما يزورها أكثر من 13 مليون شخص سنويًا، وهو ما يمثل مصدر دخل مهم لفرنسا. ومن العجيب أنها كانت تخضع منذ العام الماضي لعملية إعادة ترميم، وهي مدرجة على قائمة منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو) للتراث العالمي.

مؤخرًا، بعد الحريق الهائل الذي أصاب الكاتدرائية وأتى على سقفها، ويعود تاريخ بنائها لأكثر من ثمانية قرون، وتسبب في انهيار برجها المدبب، واحتاج إلى أكثر من 400 رجل إطفاء لإخماد النيران عملوا طوال الليل بعد نحو 14 ساعة من اندلاعها؛ حدث أمران لم يكن يتوقعهما أحد: أولهما أن حملة التبرعات التي انطلقت بعد الحريق المروع الذي دمر أجزاء واسعة من الكاتدرائية قد نجحت في جمع مبالغ كبيرة في غضون أيام قليلة، حيث بادر كثيرون للمساهمة في إعادة بناء الكنيسة العتيقة التي تشكل إرثًا ثقافيا إنسانيًا، وتسبّب احتراقها بصدمة وحزن في جميع أنحاء العالم. الأمر الثاني هو تزايد الطلب على شراء رواية (أحدب نوتردام)، التي انضمت إلى قائمة أفضل الكتب مبيعًا على الإنترنت في أوروبا، حيث تصدّرت المبيعات، ونفدت من بعض المكتبات في فرنسا، ولتلبية الطلب المتزايد عليها، قررت دور نشر إصدار طبعات جديدة منها، وتحويل جزء من عائدات هذه الطبعات إلى الصندوق الذي أنشئ لترميم الكاتدرائية. كما ارتفعت شعبية فيلم الرسوم المتحركة عن رواية “أحدث نوتردام”، الذي أنتجته شركة (ديزني)؛ إذ أصبح من أكثر الأفلام على منصات البث الرئيسية، مثل “نيتفلكس” و”هولو” و”أمازون برايم”، على الرغم من أن إنتاجه يعود لعام 1996م، كما أعلن القائمون على موقع “Amazon” الإلكتروني أن طلبات شراء أقراص “DVD” التي تعرض مسرحية “أحدب نوتردام” الغنائية التي جرت في باريس عام 1998م، قد ارتفعت بشكل كبير في الأيام الأخيرة.

يُقال إن فضل الرواية على كاتدرائية نوتردام -عندما نُشرت للمرة الأولى- كان كبيرًا، بل إنها قد منعتها من السقوط في تلك الحقبة، فعندما نشر هوجو روايته، كانت الكاتدرائية تعيش أسوأ أحوالها، حيث كانت متهالكة وتؤول للسقوط، وعند نجاح الرواية وانتشارها، تمت الموافقة على ترميمها وتجديدها، لتصبح من أكبر الكاتدرائيات فى العالم، بل أصبحت رمزًا للثقافة والحضارة الفرنسية.

رحل هوجو في الثاني والعشرين من مايو عام 1885م، على إثر مرض عضال أصاب رئتيه، ودفن تحت قوس النصر في مدفن العظماء، وتمّ تكريمُ ذكراه بعدّة طُرق، منها أن صورته قد وُضِعت على الفرنك الفرنسي، ولم يظن هوجو يومًا أن كاتدرائية نوتردام الشهيرة -التي تُمثّل جزءًا من تاريخ فرنسا ومثلت مسرحًا مكانيًا لأحداث أهم رواياته- قد تنتهي بحريق مروع كالذي حدث.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق