ترجماتسلايدر

الاستخفاف بالأثر العالمي من الحرب السورية

لقد أدت التكتيكات التي كانت تستهدف المدنيين بالنار إلى التسبب في إرسال موجات مرعبة من زعزعة الاستقرار إلى خارج سورية، وهو ما يعرّض الأمن القومي للولايات المتحدة وحلفائها للخطر. هذا الاستهداف المتعمد -من قبل نظام الأسد وروسيا وإيران- مستمر. بالتالي فإن التهديد على الأمن الغربي مستمر، وليس له نهاية في المدى المنظور.

لا توجد رصاصات فضية (رصاصات سحرية) ولا حلول سهلة، للعواقب الأمنية العالمية التي يخلقها تركيز شعيرات التسديد على ملايين المدنيين السوريين. إلا أن بداية التعقل هي اعتراف الأميركيين وحلفائهم بأن الظلم الذي لحق بالسوريين، منذ آذار/ مارس 2011، لم يبقَ داخل سورية. إذا كان الأمر كذلك منذ البداية، فربما يمكن تأطير مسألة التدخل الخارجي على أساس أخلاقي حصرًا. إلا أن الغرب لم يقدم أي خيار عملي: فكان إما الدفاع الذاتي أو الإذعان.

كان نظام الأسد وحلفاؤه الخارجيون إلى حد بعيد مسؤولين عن ارتكاب جرائم ضد الإنسانية في سورية، لكنهم لم يكونوا وحدهم.

بحسب تقديرها، ردت إدارة أوباما بقوة على اعتداء (داعش) في عام 2014 على البلدة السورية الكردية (كوباني) في شمال شرق سورية على الحدود مع تركيا. ثم تابعت بالتعاون مع تحالف مشترك، بحملة عسكرية لتدمير “خلافة داعش” في سورية في شرق نهر الفرات؛ مهمة أنجزتها إدارة ترامب. بطريقة مماثلة، أساءت الجماعات الإسلامية المتطرفة الأخرى في سورية -بما فيها هيئة تحرير الشام التابعة لتنظيم القاعدة، ومختلف الجهات الطائفية المعارضة لنظام الأسد- معاملة المدنيين بطرق فظيعة. لكن أيًا من جرائم هؤلاء لم تصل إلى درجة وسفالة ما ارتكبته العصبة التي ما تزال تملك مقعد سورية في الأمم المتحدة. هذا هو الاستنتاج الواضح للجنة التحقيق الدولية المستقلة حول سورية وللمراقبين الموضوعيين الآخرين.

الغرب دافع عن نفسه عسكريًا ضد داعش. وضربت الولايات المتحدة إرهابيين تحميهم هيئة تحرير الشام. ومع ذلك، فإن استجابة الغرب ضد جرائم نظام الأسد، والتي ألهمت عواقبها الإنسانية داعش، واندفعت نحو أوروبا وصولًا إلى الدول الإسكندنافية، كانت صامتة بشكل عام بكل الطرق ما عدا بياناتها. باستثناء حالات نادرة، اقترنت بيانات المسؤولين الأميركيين والأوروبيين وعبارات الشجب والإدانة ضد النظام، لكن من دون أمر جوهري أو عملي؛ أمر لم يكن من الممكن أن لا يلاحظه خصوم الولايات المتحدة (بقيادة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين).

فقط مرتين -كلتاهما أثناء إدارة ترامب- استجابت الولايات المتحدة عسكريًا ضد هجمات نظام الأسد الإرهابية على المدنيين. وكانت كلتا الحالتين ردًا على استخدام النظام للأسلحة الكيمياوية غير المشروعة. في الواقع، أيّدت إدارة ترامب الذخائر الكيمياوية “الخط الأحمر” الذي أعلنه الرئيس باراك أوباما في عام 2012.

عندما تصدى الرئيس أوباما لهجوم كيمياوي واسع على المدنيين، في آب/ أغسطس 2013، حيث قتل أكثر من 1400 مدني (بينهم العديد من الأطفال) وقد سبقه أكثر من عشر هجمات كيمياوية أصغر من طرف النظام؛ تجنب الرئيس أوباما ردًا عسكريًا لصالح ما كان يأمله في إزالة كاملة (تحت إشراف الأمم المتحدة) لجميع الأسلحة الكيمياوية في سورية.

إلا أنه ظلت مخزونات قليلة من الأسلحة الكيمياوية تحت سيطرة النظام، كما صعدت القوات العسكرية التابعة للأسد من حملتها في القتل الجماعي، مع كل الذخيرة التي تحت تصرفها، بما في ذلك المتفجرات المعبأة في براميل معدنية مملوءة بالمعادن والخردة (وأحيانًا بالكلور). من ثم يتم إسقاط هذه البراميل بالطائرات المروحية التي تحوم فوق المناطق المكتظة بالسكان. كانت البراميل المتفجرة -وهي أسلحة للقتل الجماعي العشوائي- علامة مميزة لحرب نظام الأسد على المدنيين. ينفي الأسد تمامًا وجودها. إلى أن استخدمت القوات الجوية الروسية والقوات النظامية أهدافًا دقيقة، كانت في الغالب مستشفيات ومدارس وأسواق ومساجد.

إن الفجوة الواسعة، بين الكلام والعمل الغربي حول سورية، شجعت بوتين في عام 2014، على السيطرة على القرم، والتدخل في شرق أوكرانيا، والتسبب في مضايقات دورية مع حلفاء الناتو، والتدخل في فنزويلا، وفي عام 2016 على التدخل في العملية الانتخابية في أميركا. إن الشعار الغربي المستمر حول عدم وجود “حل عسكري للأزمة في سورية” شجع بالتأكيد على الاعتقاد بأن لن تكون هناك معارضة غربية جوهرية تسعى للعمل على حل عسكري. لقد لاحظ ما هو واضح للجميع: أن الخطاب الأميركي والأوروبي، حول عدم القبول وعدم الرضى من جرائم الحرب النظام والفظائع في سورية، غير مصحوب بالعمل. بالتالي تُرك المدنيون السوريون من دون حماية كافية.

الأثر الأكثر قابلية للقياس، من الناحية الموضوعية، هو تأثير الصراع على السياسة الأوروبية والاتحاد هو التدفق الهائل للمهاجرين -60 في المئة منهم سوريون- الذي ارتفع عبر القارة في عام 2015. بالكاد أخفت روسيا سعادتها، لأن سياسات العديد من الدول الأوروبية -حلف شمال الأطلسي وأعضاء الاتحاد الأوروبي- كانت قلقة بشدة من وصول مليون مهاجر. كان القوميون المؤيدون لبوتين هم المستفيدين من التحديات الاجتماعية التي خلقتها موجة الهجرة، وعلى الرغم من أن المملكة المتحدة بالكاد تأثرت من الناحية الديموغرافية، فقد ساهمت الموجة نفسها في نتيجة الاستفتاء الذي أفضى إلى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

ما هو أبعد من الخلاف، حول المساهمة الحاسمة لاستراتيجية بقاء بشار الأسد المدنية، هو دورها في صعود التطرف الإسلامي في سورية وخارجها.

بالنسبة إلى داعش والقاعدة، انتماء الأسد إلى أقلية وذبحه للمدنيين (معظمهم من المسلمين السنة) وفّر لهم هدايا ثمينة، في التجنيد داخل سورية وخارجها. هذه الهدية من إرهابي مهووس بقتل الآخرين قد ضاعفت وعمقت التهديدات التي يتعرض لها المدنيون السوريون وقابلية تصدير الأزمة السورية إلى ما هو أبعد من مكانها الأصلي.

إضافة إلى أن السوريين يكافحون في تأسيس مجتمع مدني، وسيادة القانون، والحكم المحلي اللائق في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، عليهم أن يتعاملوا ليس فقط مع نظام قاتل، ولكن مع مجرمي هيئة تحرير الشام ومجرمي الجهات الطائفية المسلحة الأخرى غير الحكومية. علاوة على ذلك، تؤوي هيئة تحرير الشام أفرادًا مستعدين تمامًا للانحراط في أعمال الإرهاب العابرة للحدود، بينما أبدت داعش -مع وجود عشرات الآلاف من المسلحين- منذ مدة طويلة، استعدادها وقدرتها على تنفيذ هجمات تسببت في وقوع ضحايا في تركيا وفرنسا وبلجيكا. في الحقيقة، يبدو أنه نظام شبيه بالامتياز الدولي، حيث تستفيد داعش من جرائم القتل التي يرتكبها نظام الأسد بحق السكان المسلمين السنة في المناطق التي يسيطر عليها المعارضة. في تنفيذ مذابح (مثل مذبحة سريلانكا في عيد الفصح) حول العالم. لقد ساعد نظام الأسد في تحفيز تهديد الإرهاب الإسلامي على نطاق عالمي.

العنوان الأصلي للمادة Underestimating the Global Impact of the Syrian War
الكاتب السفير فريدريك هوف هو الدبلوماسي في كلية بارد، وهو زميل بارز مقيم في مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط.
المصدر المجلس الأطلنطي 12 حزيران/ يونيو 2019
الرابط https://www.atlanticcouncil.org/blogs/syriasource/underestimating-the-global-impact-of-the-syrian-war
المترجم وحدة الترجمة والتعريب/ محمد شمدين

صورة الغلاف: رجل يسير بجوار المباني المدمرة في بلدة كوباني في شمال سورية، في 30 كانون الثاني/ يناير 2015. ما تزال الملايات المخصصة لإخفاء السكان عن أعين القناصة معلقة في الشوارع في مدينة كوباني الحدودية السورية، وتشير مبانيها المدمرة وطرقها المحفورة إلى أنه من غير المرجح أن يعود الأشخاص الذين فروا قريبًا. قالت القوات الكردية هذا الأسبوع إنها سيطرت بالكامل على كوباني، وهي بلدة تقطنها أغلبية كردية بالقرب من الحدود التركية، بعد أشهر من القصف من قبل تنظيم الدولة الإسلامية، وهو فرع للقاعدة انتشر في أنحاء سورية والعراق. رويترز/ عثمان أورسال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق