سلايدرقضايا المجتمع

العنصرية ضد السوريين في لبنان مستمرة… وخلاصهم بالانتقال السياسي

طوال سنوات الحرب السورية، التي شهدت تهجير ما يقرب من 13 مليون سوريًا، أي نحو 60 بالمئة من عدد السكان، داخل وخارج سورية، كان لبنان، البلدُ الجار، الأكثرَ تخييبًا للأمل في تعامله مع اللاجئين السوريين الذين طرقوا بابه ليحتموا من حرب طاحنة لا ترحم، فأغلق أبوابه في وجههم مُددًا طويلة، وتعامل مع الكثير منهم بعنصرية وتمييز، ولعب دور البلد الطارد لهم، حتى لو على حساب إعادتهم إلى ساحة الموت، أو تسليمهم إلى النظام الذي هربوا من بطشه ودولته الأمنية.

وفق المفوضية العليا لشؤون اللاجئين فإن 60 بالمئة من اللاجئين السوريين في لبنان يعيشون في فقرٍ مدقع، وبأقل من 3 دولارات يوميًا للشخص الواحد، وتُعاملهم الحكومة اللبنانية معاملة عنصرية، وهم محرومون من حق العمل وحرية السفر والتنقل، ومع الأسف، فإنهم يتعرضون لتمييز ومضايقات واعتداءات من بعض اللبنانيين العنصريين أيضًا، وغالبيتهم من المؤيدين لحزب الله اللبناني وللنظام السوري.

تُحاول روسيا التعاون مع دول اللجوء، مثل لبنان، محاولة إعادة اللاجئين السوريين، لكنها لا تستطيع في حقيقة الأمر أن تؤمّن لهم ضمانات أمنية للحماية، حتى إن المفوضية العليا لشؤون اللاجئين أعلنت بدورها أنها “لا تشجّع على عودة اللاجئين الآن، لكنها لن تقف بوجه من يريد العودة الطوعية، سواء كأفراد أو جماعات” على الرغم من تشاؤمها الكبير من حالهم في لبنان.

في هذا السياق، قالت منظمة إنقاذ الطفولة الأميركية (وورلد فيجن)، وهيئة (تير دي زوم) السويسرية، هذا الشهر: إن أكثر من 15 ألف طفل سوري سيواجهون خطر التشريد، إذا أصرّت الحكومة اللبنانية لهدم مبان شبه دائمة، شيّدها لاجئون في لبنان، تعقيبًا على قرار اتخذته الحكومة اللبنانية في نيسان/ أبريل الماضي، يقضي بإزالة كل ما شيّده السوريون بمواد غير الخشب وألواح البلاستيك، في بلدة عرسال الحدودية، وأمهلت اللاجئين حتى التاسع من تموز/ يونيو المقبل، لإدخال التغييرات اللازمة على مبانيهم، وإلا فإنها ستزيل هذه الإنشاءات، أي أن الحكومة اللبنانية تريد الإبقاء على الخيام فقط، كنوع من الضغط الإضافي على السوريين.

لا يمر أسبوع إلا وتملأ وسائلَ التواصل الاجتماعي أخبار وصور عن ممارسات عنصرية لبنانية ضد اللاجئين السوريين، لا تقتصر على طردهم من مخيماتهم ومنعهم من السير في بعض البلدات وحرمانهم من حقوقهم في العمل وضربهم أو إهانتهم أو اعتقالهم، وهي تتعدد بأوجهها لتطال الصغير والكبير، الرجل والمرأة، حتى كبار السن.

وحول هذا الموضوع، يقول المحامي أنور البني، رئيس المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية: “إن حجم العنصرية ضد السوريين، الذي يتنامى في لبنان بشكل كبير وواضح، ويصبح خطيرًا جدًا، متماشيًا مع سياسة الحكومة اللبنانية العنصرية التي تخضع لمشيئة المجرمين ضد الإنسانية ومجرمي الحرب من حزب الله وداعميهم من ملالي إيران، لن يؤدي إلا إلى مسار واحد، هو زيادة الاحتقان والغضب والقهر وتوسيع الأرضية الأهلية للمنظمات الإرهابية، لتضم المزيد والمزيد، وتنفجر الأوضاع بوجه الجميع، وهذا لن يطال لبنان والمنطقة فقط، بل سيطال العالم”.

وأضاف: “هل من عقلاء في هذا العالم وفي لبنان الرسمي خصوصًا يوقفون هذه الجرائم؟… لن يكون هناك أي حلّ للمنطقة والعالم إلا بمحاسبة المجرمين ضد الإنسانية ومجرمي الحرب، وطالما لم يحصل، سيتشجع الجميع ليكونوا مجرمين”.

في الواقع، ليس هناك أي ضمانات للاجئين العائدين إلى سورية، وهو ما يفسّر إحجام الكثيرين عن العودة، فالمخاطر التي تنتظرهم ليست قليلة، منها دمار مدنهم وقراهم، وغياب الاستقرار والأمن، وخطر التعرّض لمضايقات النظام وأجهزته الأمنية.

لا يمكن تعميم تهمة العنصرية ضد السوريين على كل اللبنانيين، وإنما هي تصدر خصوصًا عن فئات عدة، أغلبها مؤيد لحزب الله اللبناني وللرئيس اللبناني ميشيل عون، كذلك هناك عنصرية بعض اللبنانيين الذين كرهوا نظام الأسد الأب والابن بسبب التدخل السوري في لبنان، وما عانوه من عنف وفساد وسرقات وتسلّط خلال الانفلات العسكري السوري في لبنان طوال 30 عامًا، وهناك عنصرية من بعض اللبنانيين العصابيين الموتورين الذين يعتقدون أن اللاجئين السوريين في لبنان يمكن أن يتسببوا بتغيير ديموغرافي وديني ومذهبي في لبنان مستقبلًا.

عنصرية موالي حزب الله لها بعد طائفي سياسي في الغالب الأعم، فهم يتلقّون تعليمات وتحريض من الحزب ومن الأجهزة الأمنية السورية، ويُروجون أن السوريين في لبنان إرهابيون أو متشددون أو هاربون من الخدمة الإلزامية في جيش النظام، وهم وأترابهم وأهاليهم السبب فيما حصل من تهديد للنظام وما يحدث في سورية، الأمر الذي ولّد تدريجيًا كرهًا وعنصرية استثنائية تجاه اللاجئين السوريين.

لاشكّ أن وجود “شبه دولة” في لبنان يبرر شيئًا من هذه العنصرية والفاشية، حيث يتحكم حزب الله بمفاصل الدولة، ويفرض في كثير من الأحيان قوانينه، ويقفز فوق القوانين ويحتقرها، ويُحلّل لأنصاره وأتباعه ومؤيديه ما لا يَحلّ لغيرهم، في ظل تدهور اقتصادي وأخلاقي أحيانًا، وتقاسم ومناطقية ومذهبية فاقعة، لدرجة أن رادعًا لم يتبق لأنصار الحزب ومؤيديه، يمنعهم من اضطهاد وإهانة اللاجئين السوريين الضعفاء المحتمين ببلدهم.

ظاهرة العنصرية ضد السوريين في لبنان ما زالت تتصاعد في بلد تمّ تصنيفه الأول عربيًا والثاني عالميًا بالعنصرية، وفق موقع (إنسايدر مونكي) الأميركي عام 2016، وتصاعدت هذه العنصرية لدى بعض اللبنانيين لتصل إلى حد الفاشية، ومنهم مسؤولون ووزراء ومدراء عامّون، وهذا ما يزيد من غرابة ما وصل إليه هؤلاء ومأساويته.

ذهب السوريون إلى لبنان وغيرها هربًا من الحرب والقمع والملاحقة، وفقدان الأمان السياسي والاجتماعي، ولا بدّ أن يكون المدخل لإنهاء اللجوء هو حلّ هذه المشاكل، أي الاستقرار السياسي والأمني، وهو ما لا يمكن أن يتحقق إلا بالانتقال السياسي إلى دولة القانون والحقوق والواجبات، دولة تعددية لا عسكرية، تحفظ حقوق الجميع، وتُساعد المنفيين والمهجرين في البدء بحياة كريمة في بلدهم، وتضمن الحماية لهم.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق