مقالات الرأي

تَخَبُّط أخلاقي

بعد أن “أبدع” جزءٌ يسيرٌ ربما، ولكنه ذو ضجيج، من النخبة الثقافية و”النضالية” العربية التي تنتمي -نظريًا وسياسيًا- إلى التيارات اليسارية، في ممارسة التمييز بين ثورة عربية وأخرى، وبين انتفاضة شعبية وأخرى، وبين حركة احتجاجية وأخرى، وقاموا بتوزيع نقاط الجدارة التي سمحوا لأنفسهم فقط، بكل ديمقراطية، بمنحها وسحبها من هذا وذاك محددين مستوياتها، نافين عنها يومًا وطنيتها، مسبغين عليها الاتهام بالتشدد، مدافعين غالبًا عن مستبد عادل آمنوا به، ليحميهم من المجهول الذي تسعى له “الغوغاء” التي تقودها أجندات خفية، بحسب زعمهم، هؤلاء نفسهم، وسواهم، نراهم اليوم متخبطين وضائعين ومرتبكين للغاية، أمام الحدثين السوداني والجزائري.

ومن نافل القول، أن الانقلابات العسكرية الفاشية التي عرفتها الدول العربية، منذ فشل بناء الدولة الوطنية غداة الاستقلال عن المحتلين أو المستعمرين أو المنتدبين، حملت معها، وخصوصًا في جعبتها العسكرية الممتلئة بكل فضلات الخيانة والغدر، والفارغة من أي مؤشرات وطنية ونضالية وتحررية، بعضًا من هؤلاء النخب التي آمنت بالمستبد “العادل”، أو أنها فضلته على من اعتقدت بأنه سيمنع عنها احتساء الجعة، أو أنها استُقْطِبَت ماليًا ووظيفيًا. ولذلك، وجدنا أن حافظ الأسد لم يكن يخلو محيطه من المثقفين “التقدميين”، على الرغم من كرهه البنيوي للثقافة كأي حاكم لا يؤمن إلا بالقوة وبالمناورات السياسية. كذا فعل معمّر القذافي وصدام حسين، حيث استقطبا، عبر أموالهما وعبر الترغيب الدنيوي، كثيرًا من “خيرة” كتاب وشعراء ومنتجي المعرفة في المنطقة العربية والعالم، فصار البعض، عبر التطبيق الكامل لنظرية بافلوف الكلبية، يرى في القذافي وفي حسين -وهما الطاغيتان الممتلئة خزائنهما مالًا والملطخة أياديهما بدماء الأبرياء- رموزًا للنضال ضد “الإمبريالية والصهيونية والماسونية العالمية” وكل قوى الشر المعروفة وغير المعروفة. وذلك كله، لمجرد تصريحات جوفاء لهذه القيادات بمعاداة “مشروع الهيمنة الأميركية في المنطقة”.

حتى يومنا هذا، هناك عدد لا بأس به من المنتفعين السابقين لهؤلاء الطغاة، أو المغفلين أيديولوجيًا، بالاعتماد دائمًا على نظرية بافلوف الكلبية، يترحمون بصدق على أرواح من غاب من الطغاة، معتبرين أنهم كانوا رموزًا قادرة على مقارعة الخطر الماحق بالأمة، وأن غيابهما عن الساحة ما هو إلا مؤامرة عملت قوى الشر على تنفيذها بكل المكر.

من ينسى حينما انقلب زين العابدين بن علي، على الرئيس الحبيب بورقيبة سنة 1987، جحافل المثقفين العرب الذين وجدوا في الزين رمزًا تحرريًا قادرًا على الانتقال بتونس إلى حقول الديمقراطية الخصبة، بعد عقود اليباس والحرمان من الحريات التي سطّرها “المستبد العادل” بورقيبة. هؤلاء، على الرغم من خيبة الصادقين منهم وتراجعهم السريع عن دعم الدكتاتور الجاهل، ما فتئوا ينبذون كل حراك مجتمعي يعكس طبيعة الفضاءات التي يعيشون فيها، ويحمل في طياته بعضًا من الرواسب الدينية الناجمة عن ثقافة مجتمعية محافظة أكثر من أن تكون حمولة فكرية راديكالية، وإن سعت بعض القوى الإقليمية لتشويهها وتوجيهها بالمال والفتاوى، إلا أنها حافظت قدر الإمكان على محليتها النسبية.

مع بزوغ فجر الربيع العربي، تخندق أشباههم في جمل مسبقة الصنع، مرتبطة بالمؤامرات الخارجية والخدع الاستعمارية وأنابيب النفط التي جعلها خيالهم المتمدد تصول وتجول في كل أصقاع المنطقة، ولم ينسوا الأطماع الإمبريالية في أمتنا المعطاء، ولم يغفلوا عن مؤامرات الصهاينة وأهل المريخ على استقرار دولنا ومؤسساتها (…)، ولم يهملوا أن يُسبغوا على احتجاجات الشارع العربي أو الكردي أو الأمازيغي ما أكرمتهم به الأيديولوجيا المتخشبة من نعوت. وكان لهم بالطبع السبق في تطوير عبارة “ما يسمى بالربيع العربي” وهي تنتقص حتمًا من مصداقية العبارة ذاتها.

بعد أن احتفل جُلّهم بسقوط هذا الذي “ما يُسمّى..” وبانتصار “الحق” على “الباطل”، أي بانتصار المستبدين الذي يتمجّدون لهم، على شعوبهم، وبعد أن رحبوا بجميع أنواع الاحتلالات الروسية والإيرانية والميليشياوية “لمقارعة” المحتل الإسرائيلي ومشاريعه التوسعية التي لطالما تكوّمت في أكمامها القيادات الفاشية العربية لمواجهة مطالب شعوبها، وبعد أن هللوا للثورات المضادة التي حملت معها مجازر ضد “غوغاء تستحق” (…)، خرج الجزائريون والجزائريات، السودانيون والسودانيات، بجموعهم الغفيرة، كالعنقاء من رحم رماد الربيع العربي، معلنين عودته للحياة أو بكل بساطة، استمرار الحياة، فانبرى نفس المتشدقين بما لذ وطاب من النعوت بحق ما سبقها من ثورات واحتجاجات، لتبني هذين الحراكين بنفاق قلّ نظيره في ساحة الأخلاق الإنسانية، وفي ساحة السياسة التي توصم ظلمًا بانعدام أخلاقيتها البنيوي. وقد صاروا منظرين للحِرَاكَيْن، معللين الأمر بنقطتي حق يُراد بهما الباطل المرسّخ حتمًا: أنه لم يتم اللجوء إلى العنف من جهة، وأن الحركات الإسلامية بعيدة عن تسيير الجموع.

مع جنوح الجنجاويد الحاكمين الجدد في السودان لاستخدام العنف وقتل المئات من المتظاهرين السلميين، تلعثم المنافقون وصاروا يبحثون عن مبررات مُقْنِعَة، وهم بانتظار أن يقوم جنجاويد الجزائر بنفس العمل، ليتصدروا مشهد الدفاع عن الاستبداد، مُسترجعين “مصداقيتهم التاريخية”، ومعتبرين أن عودة “ما يُسمى” الربيع العربي ليست إلا ترجمة لاستمرار المؤامرة على الأمة. تخبّط أخلاقي لن يتوقف مع حدث معين، لأنه بنيوي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق