تحقيقات وتقارير سياسيةسلايدر

واشنطن وطهران… تحريف لمفهوم المواجهة

التطورات التي تشهدها منطقة الخليج العربي تدفع إلى تجاوز النقاش النظري بما يخص نُذر “التصعيد” بين واشنطن وطهران، حيث إن معظم الآراء التي تستشعر بالخطر، سواء في المنطقة، أو من المحللين الاستراتيجيين في الولايات المتحدة، أصبحت جميعها مستهدفة في صدقيّتها، بغض النظر عن سخونة التصريحات، أو الإجراءات والاستعدادات التي تبديها واشنطن في البحر والبر، أو المواقف التي يطلقها زعماء طهران من الجناح الديني والعسكري، عن الاستعداد لمواجهة واشنطن والغرب وبعض العواصم العربية.

احتلت مسألة تحديد المواجهة، بعد انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي بين طهران والغرب بالإضافة إلى واشنطن، مجالًا واسعًا من النقاش والمواقف “المتذبذبة” التي سمحت لطهران بالتمدد أكثر في المنطقة، ومن جهة أخرى أعطت المجال لواشنطن بالاستمرار في ممارسة الابتزاز السياسي والعسكري والمالي لدول عدة في المنطقة، من خلال الإبقاء على فزاعة اقتراب المواجهة ولحظة سحق زعماء الإرهاب، بالمقابل هناك فزاعة مقابلة عن قرب سحق “إسرائيل” في ثوان معدودة، إن تجرأت على ممارسة العدوان أو تكراره، وهي تفعله وتكرره كلّ لحظة، خصوصًا بعد فزاعة التصريحات الإيرانية.

لا حاجة إلى تكرار الأهمية البالغة لمنطقة الخليج والشرق الأوسط، بالنسبة إلى مصالح واشنطن الاقتصادية والأمنية وأهدافها الاستراتيجية، التي تجعل من المنطقة وأحداثها مادة شيقة وحيّة، بالنسبة للحكومة الأميركية والإعلام الأميركي على حد سواء، وعلى الرغم من اتجاه التحالف الأميركي الإيراني في قضايا عدة، سابقًا في العراق وأفغانستان، واليوم في سورية، فإن سياسة تحريف مفهوم المواجهة بين واشنطن وطهران هي التي تسود الآن، بعد ثمانية أعوام من الثورات العربية، أُعطيت لطهران الفرصة والمجال أميركيًا على الأقل، لممارسة التمدد في مناطق وملفات، وتدّعي واشنطن عدائها ورفضها لهذه السياسة، بينما في المثل والنموذج السوري، على افتراض أن هناك مواجهة وعداء، فقد تُركت طهران تمارس جرائم حرب، تقاسمتها مع واشنطن وتل أبيب في سورية، ومن قبلُ في العراق.

أكذوبة التصميم الأميركي على تأديب طهران، موجهة بالأساس إلى حكومات عربية، وأكذوبة طهران في تصميمها الوقوف بجانب قضايا عربية مثل فلسطين، وقدرتها على محو العدوّ بلحظات، موجّهة بالأساس إلى حكومات تمارس السحق والتدمير على شعوبها، إذًا، هناك مواجهة لفظية، لم تُبدّل منذ أربعة عقود، تلتقي مع بروباغندا النظام العربي، بالنسبة إلى بوصلته في قضايا مصيرية، فإذا كانت أداة طهران، ممثلة بالنظام القائم في دمشق، تحظى بمباركة وحماية أميركية صهيونية، التي تمنع انهياره، وتشير إلى حكومات عربية وغربية بضرورة مدّ يد العون لنظام الأسد، وبالوقت نفسه تدعي وقوفها بحزم ضد خيارات وسياسات طهران، فهذه قمة الأكاذيب.

كان يكفي واشنطن، ضربة واحدة على رأس النظام في دمشق، لتقتل أحلام طهران ومشاريعها في المنطقة، وكان يكفي واشنطن منع طهران، قبل عقد ونصف، من التمدد في العراق، بدلًا من مباركة كل عملائها وتعميدهم في المنطقة الخضراء، كان يكفيها كي لا تمارس النفاق الذي تتقاسمه مع طهران في هذه الملفات، حتى الاستثمار في شعار “مكافحة الإرهاب” فشل فشلًا ذريعًا، وخلق أوضاعًا جديدة تجعل صعوبة في مواصلة عملية البحث عن أسباب استمرار الإرهاب، بناءً على الأسس والافتراضات التي يُشار إليها في واشنطن وطهران وموسكو وتل أبيب ودمشق.

ميليشيا وعصابات طهران، تصول وتجول في سورية، تحت سمع وبصر الولايات المتحدة، وما تزال حتى هذه اللحظة تمارس جرائم حرب ومجازر، يصعب على الناجين منها روايتها بشكل كامل، ولم تزل الولايات المتحدة ترتكب الفظاعات في قرى ومدن الشمال السوري بموازاة ما تباركه على الضفة الأخرى من الجريمة، ولم يزل الاحتلال يمارس غاراته وعدوانه كلّ لحظة، كل ما يجري الآن من تصعيد لفظي بقرب المواجة الأميركية الإيرانية مقابل السماح لعصابتها مع النظام بارتكاب مزيد من الجرائم، هو للإيحاء بحدوث تغيير مرتقب في موقف أميركا من طهران، لكن أميركا لا تدعم المستبدين فقط، بل المذهبيين والطائفيين، دلائل طهران وتل أبيب وواشنطن مع كل الممانعة هي لتحريف المواجهة، وإبقاء الشعوب هدفًا أولًا وأخيرًا للمواجهة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق