اقتصادسلايدر

مصادرة النظام السوري للأملاك.. سلاح ذو أوجه

في 2 نيسان/ أبريل 2018، أصدر رأس النظام السوري بشار الأسد القانون رقم 10، حاملًا معه الكثير من المخاوف المحلية والدولية، لأنه يسمح للدولة باستملاك البيوت والممتلكات الشخصية، إن كان صاحبها غائبًا خارج سورية، ما فسّره كثيرون بأنه خطوة من النظام السوري لتجريد نحو 12 مليون لاجئ سوري خارج سورية من ممتلكاتهم، وبالتالي من حقهم في العودة إلى سورية.

قال السوريون إن هذا القرار يهدف إلى إثارة المشكلات في المجتمع السوري وتفتيته، حيث يمنح الحق للنظام بوضع يده على أملاك السوريين المهجرين والنازحين، في ظل عدم وجود إثباتات عقارية أو سندات ملكية، خاصة أن غالبية من قُصفت أحياؤهم ونزحوا منها لم يأخذوا معهم أوراقًا ومستندات تُثبت ملكيتهم لبيوتهم، وبالتالي لن يستطيعوا تقديم أي إثبات للسلطات بملكياتهم، ما يسمح للنظام بمصادرة أملاكهم.

كذلك، وجّهت أجهزة الأمن السورية عشرات الكتب إلى وزارة المالية السورية، طالبت فيها بمصادرة أملاك معارضين سياسيين وكتّاب ومثقفين وإعلاميين وناشطين سوريين، كما صدرت قرارات من الجهات الأمنية بمصادرة أملاك سوريين منخرطين في العمل العسكري، من دون أن تصدر هذا القرارات عن محاكم أو عبر محاكمات.

كذلك أصدرت “الإدارة الذاتية” الكردية قرارًا يسمح لها ولميليشياتها العسكرية، بمصادرة أي عقار صاحبه غائب عنه، وادّعت أنها تريد استثمار تلك العقارات ريثما يعود أصاحبها، ووضعت اليد عمليًا على عقارات ومنازل ومزارع عديدة، في شمال وشمال شرق سورية.

هدفت إجراءات النظام السوري إلى معاقبة المعارضين للنظام، على مختلف مستوياتهم وتوجهاتهم وانتماءاتهم، وكانت فرصة للنظام لأن يتهمهم بالإرهاب على مختلف تسمياته، كذلك هدف النظام إلى إحداث تغيير في النسيج السكاني السوري، عبر الاستيلاء على أملاك اللاجئين والنازحين وتوزيعها لموالين، ما يعني منع النازحين واللاجئين من العودة إلى سورية، لأنهم خسروا كل ما يملكون.

بعض المراكز الحقوقية السورية أشارت إلى شيء آخر، هو أكثر خطورة من تجريد البشر من أملاكهم، وقالت إن النظام السوري وأجهزته الأمنية وحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي الذي تتبع له “الإدارة الذاتية” الكردية، أرادوا جميعًا إحداث تغيير ديموغرافي فعلي، وبشكل رسمي في السجلات العقارية، لأنهم يتجاهلون الملكيات ويفسحون المجال لتوزيع هذه الملكيات كمكافآت للموالين لهم، أو للمقاتلين أو للميليشيات التي قاتلت معهم، سورية أكانت سورية أم عراقية أو لبنانية أو إيرانية أو أفغانية.

منذ عدة سنوات، بدأ أصحاب رؤوس الأموال وأمراء الحرب وتجار السلاح العاملون تحت ظل النظام السوري، تحضير أنفسهم للحصول على نصيبهم من كعكة إعادة الإعمار، ووضعوا نصب أعينهم إعادة بناء المناطق المُدمّرة عبر إعادة تنظيمها كليًا، لأن من شبه المستحيل الحصول على موافقة أصحاب العقارات في هذه المناطق على المدى المنظور، ذلك أن أغلبية السكان قد هجروا سورية كلاجئين في دول الجوار أو في أوروبا، فوفق الإحصاءات غادر سورية نحو نصف ساكنها، أي نحو 12 مليون شخص، وبعضهم حصل على حق اللجوء، ولن يستطيعوا العودة إلى سورية على المدى المنظور، تقيّدًا بقوانين اللجوء في أوروبا، وبعضهم الآخر في دول الجوار، ويخشون من العودة لخطورة تعرضهم للاعتقال أو الاستجواب أو الموت.

خلال سنوات الثورة الثمانية، دمّر النظام بلدات ومدنًا حول دمشق بشكل منهجي، وفي كثير من الأحيان، من دون مبررات أمنية أو عسكرية، فقد كانت ذريعة وجود خمسة مسلحين تكفي ليقوم النظام بدكّ بلدات يزيد عدد سكانها عن ربع مليون نسمة، بالطيران والمدفعية، ليحيلها خلال أسابيع إلى مدن أشباح، ليس فيها بناء واحد صالح للسكن أو للإصلاح.

يعتقد كثير من المعارضين السوريين أن النظام السوري قام بمعارك الأرض المحروقة على كثير من المدن، ليعيد تنظيمها وبنائها، إذ إن أسعار الأراضي فيها غالية جدًا، وتدميرها واستملاكها من الدولة ثم إعادة توزيعها على المتنفذين سيدرّ أموالًا تقدّر بمليارات الدولارات، وهي أفضل وسيلة للربح السريع، بالنسبة إلى تجار الحروب ورجال النظام الذين ينتظرون مكافأتهم من النظام، لوقوفهم إلى جانبه كل هذه السنوات.

نشر (مركز كارنيغي للشرق الأوسط) تقريرًا استعرض فيه سياسات النظام السوري الرامية إلى تغيير قوانين التخطيط المدني، وخلق وقائع ديموغرافية جديدة، ومحاولة ترسيخ مكاسبه على الأرض، وإعادة رسم وجه سورية على نحو يُلائم مصالحه.

تؤكد حوادث التاريخ الحديث المشابهة أن أنظمة في دول أخرى فشلت في تحقيق غاياتها، بخطوات مشابهة، فجميع دساتير وقوانين العالم من دون استثناء، تحمي الأملاك الفردية، ولا تسمح بمصادرتها أو الاستيلاء عليها إلا عبر محاكمات، ولأسباب قاهرة، ولا يضيع الحق الخاص بالتقادم، كما لا تضيع الحقوق المالية عبر إجراءات حكومية غير مستندة إلى قانون ولا دستور ولا محاكم عادلة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق