أدب وفنون

بين (كفرناحوم) وقبر المعرّي.. صرخة الاحتجاج على الزمن المر

رافقتني الغيوم الرمادية وأنا أجتاز المسافة من بيتي إلى صالة “أورو سينما” في قلب العاصمة صوفيا، كي أحضر الفيلم اللبناني (كفرناحوم) الذي يُعرض لأسبوع، احتفالًا بيوم الطفل في بلغاريا، المصادف للأول من الشهر الجاري، ولم أكن احتاج إلى تشكيلات الرماد حتى أستسلم للحزن، تكفيني أخبار المحرقة السورية، وصور الأطفال القتلى والمشردين تحت شجرة زيتون لم تطلها النيران بعد، يكفيني أن أتخيل قبر جدتي يُقصف في معرة النعمان، حتى تسيل من عينيّ الدموع.

كم تمنيتُ لو أنسى، وأحيا بسلام في بلد أحبه منحني الأمان، لكن الجرح السوري عصي على النسيان، وخطوط الدم تصلني بأهلي هناك، وأنا هنا أخاف من إمعان نظام الأسد في القتل والتعذيب والتدمير، ويتضاعف خوفي من إخفاق العالم في ردعه. مزيج من القلق والألم والعجز يسكنني، ويشعرني بأني طفلة تائهة تبكي والديها وبيتها الذي لن تعود إليه، يا إلهي، طفلة في الثامنة والخمسين.

نزلتُ من الترام عند كنيسة “القديسة ندِليا”، ألقيت تحيتي عليها، ورجوت الله أن يحمي أطفال إدلب ونساءها، ثم انعطفت إلى شارع ألكسندر إستانبوليسكي، حيث تقع الصالة وتضم قاعتيّن. كانت القاعة الصغيرة مخصصة لعرض (كفرناحوم)، وكنا جمهورًا قليلًا من بلغاريا وسورية ولبنان والعراق وفلسطين، تجمعنا الرغبة في مشاهدة الفيلم العربي الذي حصل على جائزة لجنة التحكيم في مهرجان (كان) السينمائي 2018، وترشح لجائزة أفضل فيلم أجنبي في مهرجان الأوسكار هذا العام، لكنه لم يعجب العديد من النقاد العرب، وتعرضت مخرجته نادين لبكي للكثير من التقريع.

تقول نادين، في أحد حواراتها المتلفزة: إن كلمة (كفرناحوم) تعني الجحيم، وهي تفتح بواباته على الطفل زين ذي الاثني عشرة عامًا، وهو في قاعة المحكمة يعترف بطعن زوج شقيقته بالسكين، ثم تنقلنا عدسة التصوير إلى جولة بانورامية التُقطت من الأعلى لمناطق السكن العشوائي التي سوف نتعرف على ملامحها وإشكالاتها عبر تقنية الفلاش باك، وهي تستعيد بيئة وحياة زين (زين الرافعي) الطفل السوري النازح الذي نال جائزة أفضل ممثل في مهرجان البرتقالة الذهبية بأنطاليا على دوره في الفيلم.

زين -في الفيلم- يؤدي دور الابن البكر لوالدين فقيرين، عاطلين عن العمل، وعدد كبير من الإخوة والأخوات، أقربهم إلى قلبه أخته سحر (كيدرا عزام) التي تصغره بعام، وجميعهم يتحدثون باللهجة اللبنانية، ويسكنون غرفة بائسة بالأجرة، تفيض بلاليعها من حين لآخر. يُحرم البكر من حقه في التعليم كي يعيل أسرته، ويعمل لدى أحد الباعة موزعًا لطلبات الزبائن، ونتابعه وهو يتعثر بحمل أثقال قد توازي وزن جسده النحيل كجرار الغاز وعبوات الماء الكبيرة، ثم وهو يتجنب التحرش به أثناء توصيل الحاجيات إلى المنازل نهارًا، أو وهو يصد الاعتداء عليه أثناء بيعه لفناجين المياه المخلوطة بالمخدرات ليلًا.

حين لا يستطيع زين منع زواج شقيقته القاصر من البائع الذي يعمل عنده، يهجر عمله وأسرته، ويتشرد في الشوارع إلى أن يلتقي براحيل (يوردانوس شيفراو) العاملة الأثيوبية في مدينة الملاهي، التي تؤويه في غرفة من التوتياء تسكنها بالأجرة، ليعتني بطفلها أثناء عملها. راحيل التي هربت من كفيلها، لتلد يوناس (بولواتيف تريزور بانكول) من ناطور بناية رفض الاعتراف به، وبقيت هي ووليدها بلا أوراق ثبوتية، تحاول شراء بطاقة مزوّرة بسعر يناسب دخلها القليل، ويرفض التاجر تخفيض المبلغ، محاولًا إقناعها بمقايضة الهوية الزائفة بولدها الرضيع، لينتهي بها المطاف في السجن.

باختفاء راحيل في السجن، يصبح زين المسؤول الوحيد عن طفلها، قبل أن يضطره الجوع والتشرد إلى بيعه إلى التاجر الذي كان يرغب في انتزاعه منها، لقاء تهريبه إلى إحدى الدول الغربية، وحين يعود إلى منزل أسرته لأخذ هويته من أجل السفر، يكتشف أن لا وثيقة رسمية تثبت وجوده، أو وجود أي من أفراد عائلته، ويعلم بوفاة شقيقته سحر، من جراء النزيف الذي تسبب به حملها المبكر، فيفور غضبًا ويطعن زوجها بالسكين، ويُساق إلى السجن.

التقطت نادين طيفًا واسعًا من الموضوعات الإشكالية والمعضلات الاجتماعية المسكوت عنها في المجتمعات العربية، حفاظًا على سمعة المتنفذين والمسؤولين، طيف يمتد من قضية مكتومي القيد، وجرائم الاتجار بالبشر والوثائق الثبوتية، مرورًا بتعاطي المخدرات وعمالة الأطفال وزواج القاصرات، واقتربت من الضحايا بالكثير من الحب والتعاطف، ليس من باب الشفقة، إنما دفاعًا عن حقهم في الحياة الكريمة، من دون أن تتهم أي جهة أو دين أيًا كان، فإنقاذ هؤلاء المحرومين من أدنى أشكال الحماية وأبسط الحقوق هي مسؤولية الجميع.

شخصيات الفيلم خليط من الوافدين والسكان الأصليين، نخمن جنسياتهم من لهجتهم أو لون بشرتهم، اختارتهم المخرجة من ضحايا الفقر المدقع والتهجير القسري، وليس من الممثلين المحترفين، وبنَت الحبكة السينمائية على أساس التناوب ما بين مسارين دراميين: الأول قصير، يحدث داخل قاعة المحكمة، ويتيح للجناة والمجني عليهم إمكانية الدفاع عن ذواتهم، فيما يحتل المسار الآخر زمن ما قبل وقوع حادثة الطعن، حيث المصادفات العجيبة ومفارقات الحياة الساخرة هي من ترسم أقدار الشخصيات، وحيث أغلب المشاهد خارجية، ومواقع التصوير حقيقة من دون التعريف بها، سواء أكانت مخيمات للوافدين واللاجئين الفقراء، أم عشوائيات أهالي البلد المعدمين، ولولا تسمية سجن رومية وذكر جسر الكولا، لربما غاب عن ذهن المتلقي أن الأحداث تجري في لبنان، وليس في أحد أحزمة البؤس ببلده.

مثل أم حانية وعادلة، أدارت المخرجة فريق التمثيل لإظهار أفضل ما لديه، وتقريبه قدر الإمكان من قلوب المتلقين. اعتمدت اللقطات القريبة لإبراز مشاعر الشخصيات وتعبيراتهم الخاصة، واعتنت بتشكيل الكادر ورمزية الصورة للاستغناء عن الفائض من الكلام، فكان يكفي مشهد قصير لعاملات المنازل الأجنبيات، المحتجزات والخائفات أمام الشرطي، للدلالة على إساءة معاملتهّن، أو منظر المياه الصدئة وهي تندفع من الصنبور، والصراصير وهي تزحف على الحائط، للإشارة إلى بؤس المكان وافتقاره إلى أدنى الشروط الصحية.

أتابعُ التفاصيل، وتغمرني تلك العاطفة الإنسانية النبيلة التي تسري في تضاعيف المشهد، وتلح على حماية الضحايا، عاطفة تمتد إلى ما بعد النهاية، حيث تقف العاملة الأثيوبية والطفل السوري اللاجئ إلى جانب المخرجة وزوجها في أهم المهرجانات، وحيث تستقبل النرويج زين وعائلته لإعادة توطينهم. أتابع وأنفعل مع المشاهد التي تبدو بكثافتها وصدقها أكثر واقعية من الواقع، وأستغرب الهجوم الذي طاول الفيلم ومخرجته! ألم يلحظ النقاد الثراء الوجداني، والتميز في أسلوب الطرح والمعالجة؟ أم أن نجاح المرأة في مجتمعاتنا لا يمكن أن يمر من دون التشكيك به والتقليل من شأنه؟!

نادين لم تختلق قصصًا ميلودرامية، ولم تفتعل أزمات، لكنها فتحت عدسة التصوير على عالم مقصي ومنسي، يفيض بالمخاطر والمشكلات، وعاينت الصور والقضايا التي التقطتها، من وجهة نظر حقوق الإنسان التي ينبغي أن تكون مكفولة للجميع بلا تمييز، ثم جعلت المستهجن والمستحيل في العالم العربي يبدو ممكنًا في فيلمها، حين رفع الطفل زين دعوى قضائية على والديه، لأنهم أنجبوه ولم يكفلوا له حياة لائقة، وكانت رمزية الدعوى والمحاكمة بمثابة صرخة احتجاج ضد كل أشكال الاستبداد وامتهان الكرامة الإنسانية.

صرخة زين أعادت إلى ذاكرتي صرخة الاحتجاج على الأهل والزمن المر التي أطلقها أبو العلاء المعري، منذ قرابة عشر قرون، حين أوصى أن يُكتب على شاهدة قبره: “هذا ما جناه أبي عليّ وما جنيتُ على أحد”، قبر أهم فلاسفة وشعراء عصره تحتضنه معرة النعمان في محافظة إدلب، حيث يقصف الطيران السوري والروسي، ولا يتوانى عن استهداف الأسواق والمشافي، وإزهاق المزيد من أرواح الأبرياء. يا لها من مصادفة، ويا له من جحيم.

بطاقة (كفرناحوم)

فيلم روائي طويل، 120د، سيناريو: نادين لبكي، جورج خباز، ميشيل كيسرواني، جهاد حجيلي، خالد مزنر.

إخراج: نادين لبكي.

تمثيل: زين الرفاعي، يوردانوس شيفراو، بولواتيف تريزور بانكول، كوثر الحداد، فادي كمال، كيدرا عزام، نادين لبكي.

إنتاج خالد مزنر، لبنان 2018.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق