مقالات الرأي

لبنان زمن السقوط من “جمهورية أرز الرب” إلى “جمهورية العهد القوي”

يقولون لطالما استهدف الغزاة لبنان عبر تاريخه الطويل، طمعًا بأرضه ومياهه ومرافئه، خصوصًا أرزه الثمين، لبناء قصورهم ومعابدهم وسفنهم، اليوم اللبنانيون -بتبعيتهم وطائفيتهم وعنصريتهم وانقساماتهم- وحدهم، قبل الغزاة وقبل المناخ، من يتآمرون على لبنان وعلى أرزه في آن.

على الأغلب، هناك توأمة أو متلازمة تربط بين شجرة الأرز ولبنان، لا يمكن لهما أن ينفصلا، إن ذهب أحدهما ذهب الآخر، توأمة يعود تاريخها لأكثر من خمسة آلاف عام، جاء كتاب العهد القديم لُيكرِّس هذه العلاقة، عندما ذكر لبنان 75 مرة، روى فيها كيف أرسل “حيرام” ملك صور، في القرن العاشر ق.م، رسلًا إلى الملك داود، وخشب أرز ونجارين ونحاتين، ليبنوا له بيتًا، روى كيف استخدمها الملك سليمان لبناء قصره الملكي وهيكله الذي استغرق كل منهما عددًا من السنوات.

تحدّث الكتاب كثيرًا عن جمال لبنان ومكانته المقدسة، وفقًا لتفاسيرهم، على أنه موطن الرب، زرع الله بيده أرزه ليكون واحة سلام ومحبّة، ليبقى لبنان نورًا وملحًا وخميرة للشرق بأسره، ليس ذلك فحسب وإنما ليشارك هذا الأرز في تسبيحه وحمده، لذلك وصفه المسيح بالذهب، في حين تمنّى موسى، في أواخر أيامه، أن يرى ذلك الجبل الجميل لبنان، ولكنّ الربّ لم يمنحه هذه النعمة.

بناءً على ذلك؛ ترسّخت في الوعي الكنسي، ثم في المخيال الجمعي اللبناني، فكرة أن وجود شجرة الأرز يُعدّ انعكاسًا لأرضهم الفريدة وقدرتهم على النجاة من عواصف التاريخ، وبالتالي فإن صمودها يعني صمود لبنان، لذا نراها تتوسط العلم اللبناني، باعتبارها رمزًا وطنيًا بل دينيًا مقدسًا، كذلك ترد في النشيد الوطني: “مجدُه أرزه رمزه للخلود”.

اليوم، لم يعد هذا الأرز أرز الرب، بل لم يعد لبنان هو لبنان، الذي لطالما حدثتنا عن جماله وقدسيته مروياتهم، بأن الربّ الذي خلقه يحتاج إليه، لكي يُعبّر عن جماله الخاصّ، عن حبّه لشعبه ولكلّ شعوب الأرض، عن حبّه لكلّ إنسان أينما كان، إذ يقول الرب: “عروستي معين جنّات وبئر مياه حيّة نازلة من لبنان، أمّا العريس فطلعتُه مثل لبنان”.

لن نتكلم هنا عن لبنان الإقطاعيات العائلية والقبلية أو إمارات الطوائف، أو العنصرية البغيضة المتجذرة فيه، ولا عن لبنان الميليشيات المسلحة التي ما وجدت إلا لـ “نصرة” كل مظلوم في هذا العالم، ولا عن سرايا التوحيد المقاتلة، التي لم توجد إلا لتسلق الجبال، وإنما سنتكلم عن لبنان الدولة.

لعلّنا نبدأ من أرزه المقدس الذي يواجه اليوم التهديد الأكثر خطورة بتاريخه، من جرّاء ما قد تواجهه المنطقة من تغيُّر مناخي، سيؤدي إلى فناء معظم غابات الأرز الباقية في البلاد، بحلول نهاية هذا القرن، مُهددًا هذه الشجرة بالانقراض، تاركة وراءها جبالًا جرداء يتنازعها قيظ الصيف وزمهرير الشتاء، وفقًا لدراسة أعدتها صحيفة “نيوز ويك” الأميركية (صحيفة النهار 20 تموز/ يوليو 2018).

هذا التهديد وهذا الاستنزاف هو ما أكد عليه بتلك الدراسة عالم الحشرات اللبناني الدكتور نبيل نمر، بقوله: “منذ عام 2006 حتى عام 2018، قتلت الحشرات ما نسبته 7.5 في المئة من أشجار غابة تنورين الشابة”. وهو ما حذّرت منه منظمة (يونسكو) من أن مواقع هذه الشجرة هي من أكثر المواقع عرضة للخطر بسبب التغير المناخي، ما دعا بعض الباحثين للقول إنه “بحلول عام 2100 لن يعيش الأرز إلّا في القسم الشمالي من البلاد، حيث الجبال الأعلى”.

هذا عن شجر الأرز، لكن ماذا عن توأمه لبنان؟ ماذا بقي منه كدولة؟ بعد أن أوصلته الطائفية وسياسة الارتهان للخارج، إلى أن يُصبح رهينة بيد الميليشيات المسلحة التي باتت تشكل دولة ضمن دولة، وهو ما أكّده، في وقت سابق من قلب بيروت، رئيس مجلس الشورى الإيراني علي لاريجاني، بوصفه لدور “حزب الله” في لبنان والمنطقة، بأنه “فاعل ومؤثر أكثر من أدوار الدول”.

وسبق لنائب أمين عام “حزب الله” نعيم قاسم أن تحدث إلى الإعلام، عن العرض العسكري الذي نفذه الحزب في بلدة القصير السورية، قائلًا: “أصبح للحزب جيش مدرب، وما قام به من عرض يعتبر رسالة واضحة للجميع، وعلى كل جهة أن تقرأها دون توضيحات”.

والأغرب من كل ذلك أن لبنان صاحب الحضارة العريقة والموغل في التاريخ (قبل خمسة آلاف عام) لم يكن موجودًا، قبل أن يتم استيراد ولاية الفقيه، بل “كان مجرد نقطة صغيرة مجهولة على الخريطة”، وفقًا لما صرّح به، في وقت سابق، محمد رعد، أحد قياديي “حزب الله”، مضيفًا أن “لبنان الجديد يبدأ معنا”.

يعني ذلك أن لبنان الجديد اختراع شيعي، لذلك تعمل منظومة “حزب الله” المتسلحة بفائض القوة التي تمتلكها، مستندةً إلى ورقة التحالف المبرمة، بين الحزب وبين “التيار الوطني الحر” لصاحبه رئيس الجمهورية وصهره جبران باسيل، على تغيير وجه لبنان، من خلال إنتاج شيعية سياسية، من شأنها الحلول مكان المارونية السياسية، التي كانت قائمة قبل الحرب الأهلية، وفقًا لفارس سعيد (صحيفة العرب 19 أيلول/ سبتمبر 2018).

ومن هنا، لن نتعجب أبدًا من أن يخوض “حزب الله” حربه في سورية، رغم أنف الحكومة اللبنانية التي اتخذت قرارها بسياسة النأي بالنفس، لن نتعجّب حينما نقرأ عن دخول إيرانيين إلى لبنان، من دون تأشيرات دخول رسمية (الشرق الأوسط 18 جزيران/ يونيو 2018) ولا عن استقبالات “حزب الله” لوفود من الحوثيين في اليمن، أو لزعماء عصائب الحق العراقية، من دون معرفة السلطات اللبنانية.

يُقال إن الشعوب لا تأكل “شعارات”. إلى أين ستقود لبنان الشعارات الفانتازية؟ مقاومجية كانت أم طائفية أم عنصرية؟ فغلو صدام حسين وعنجهيته، قاداه إلى المقصلة، من ثم إلى القضاء على مملكته العراق، ومثله كانت شعارات ومنهجية حزب البعث الثاني في سورية، التي كانت وما تزال سببًا في ما آلت إليه حال السوريين ووطنهم اليوم، ومثلهم كانت حال بقية أساطين الاستبداد العربي.

ثم ماذا تنفع لبنان مصانع الصواريخ الدقيقة! و”الرد المزلزل”، غير أنها تزيده عجزًا في الموازنة، وتزيد اللبنانيون فقرًا وانقسامًا، من ثم هشاشة وضعفًا، فضلًا عن استمرار حالة الصدام مع المجتمع الدولي، وبالتالي بدلًا من إزالة “إسرائيل”، ستكون كفيلة بإزالة لبنان كدولة، في ظل ما تشهده البلاد من تجاذبات سياسية وطائفية حادة، من جهة، وعدم توازن القوى من جهة أخرى.

يقول مؤسس الميثاق اللبناني ميشيل شيحا: “قدر لبنان أن يكون رائدًا، لا تابعًا، وأن يظل متماسكًا متضامنًا في وحدة لا تقوى عليها النزعات العنصرية والنزوات الشخصية والمصالح الفردية”.

ماذا تنفع لبنان اليوم شعاراتُ العهد القوي، وهو يستقوي بميليشيات مرتهنة للخارج؟ والأهم من ذلك ماذا بقي من لبنان الدولة؟ لقد سمعنا من قبل عن توتر علاقة دولة بدولة أخرى، بسبب تسمية شارع نكاية بها، مثلما سبق لإيران أن قامت بتسمية شارع باسم (خالد الإسلامبولي) المتهم باغتيال الرئيس المصري أنور السادات، أو شارع (سليمان خاطر) الجندي المصري، الذي قتل 7 إسرائيليين على الحدود المصرية عام 1985، نكايةً بنظام الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك.

سمعنا بتسمية ساحة تقع أمام السفارة الروسية في واشنطن، باسم المعارض الروسي بوريس نيمتسوف، الذي اغتيل عام 2015 في موسكو، نكايةً بروسيا، سمعنا عن تسمية شارع غصن الزيتون العام السابق، على الشارع الذي تقع فيه السفارة الأميركية بأنقرة، نكاية بالموقف الأميركي المعارض للعملية العسكرية التركية في منطقة عفرين السورية.

أما أن تقوم بلدية الغبيري، في الضاحية الجنوبية من بيروت، بتسمية شارع باسم (مصطفى بدر الدين) الذي تعدّه المحكمة الدولية العقلَ المدبر لاغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري بالعام 2005، رغم أنف وزير الداخلية وأنف الحكومة، فهذا الأمر لا يمكن تصوره لا بجمهوريات الموز ولا بجمهوريات البطيخ.

ثم أي لبنان الجديد هذا الذي يريدونه؟! عندما يرفضون رسو باخرة تركية تحمل مولدات كهربائية ضخمة، في منطقة الزهراني جنوب بيروت، لأن اسمها “عائشة غل”!! على الرغم من حاجة لبنان الماسة إلى الكهرباء، ولم يُسمح لها بالرسو في الميناء إلا بعد أن استُبدل اسمها، تفاديًا لحساسية أبناء المنطقة، وفقًا لوزير الطاقة اللبناني بتصريحات تلفزيونية.

وأي لبنان القوي هذا؟ الذي يُطبِّلون لأجله، عندما يمتلك حلفاؤهم قرار السلم وقرار الحرب، أو عندما يعطلون الدولة، على النحو الذي أشرنا إليه، مثلما قاموا بمنع الوفد الليبي من حضور القمة الاقتصادية التي انعقدت في بيروت أواخر العام الماضي، وحرق العلم الليبي ورفع راياتهم بدلًا منه، رغم أنف أصحاب العهد القوي.

نخلص من كل ذلك إلى أن لبنان كدولة على الأغلب عاش أكثر مما ينبغي، بعد أن غاب عنه صوت القانون وصوت العقل، وإلا كيف نفسر أن تغريدة واحدة من أحدهم كفيلة بإشعال الشارع اللبناني برمته.

والسؤال: هل سيزول لبنان الدولة، مع زوال شجر الأرز عند حلول عام 2100 وفقًا لما ذهبت إليه (نيويورك تايمز)؟ أم سيعيد بعض اللبنانيين حساباتهم، فيستلهمون من مآسي ماضيهم وأمجاد مسيرتهم التصاعدية الدروس؟ وإلا انتهوا إلى زوال، على حد قول ميشيل شيحا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق