سلايدرقضايا المجتمع

رسالة الساروت: “ما عاد سيف يفيد… سورية ظلي واقفة”

كانت تراوده بين حين وآخر فكرة الشهادة، وكان يرى نفسه محمولًا على الأكتاف ينادي “جنة جنة جنة يا وطن يا حبيب” وكان يجد نفسه مقاتلًا ضد عصابات الأسد، وثائرًا في ميادين البلد، استشهد في الوطن، وقتلوه داخل الوطن، قتلوه كما قتلوا باسل شحادة وغياث مطر والقاشوش ورائد فارس وحمود جنيد، اليوم قتلوا عبد الباسط الساروت لأنه تكثيف لمسار الثورة السورية، كان الساروت ابن المدينة والريف، والأزقة والحواري، وابن الوطن المحتل والمغتصب من الطاغية، وابن الثورة المغدورة، الساروت هو الجمهور الطيب المحب، والمندفع والثائر النقي.

هذه الكلمات ليست لرثاء عبد الباسط الساروت، ومن سبقه في قافلة طويلة من شهداء سورية، الباقين معنا بأثرهم ونضالهم وأهازيجهم، بشعاراتهم وأناشيدهم وصيحات حناجرهم، بالشوق إلى الحرية والكرامة والمواطنة، وبالإصرار القوي على هزيمة الطاغية، وهذا ما يجب أن يناقش ويدرس ويُصحح، قبل الوصول إلى النهايات، فقد ظلت أهزوجة القاشوش وحنجرة الساروت وقبضة يديه على الزناد تصر عليه، لذلك لا نبكي ولا نرثي، لكن يجب أن نتذكر لنتعلم، ولنحاول أن نرتقي لمواصلة إتمام الرسالة، هذا هو المعنى الكبير لاستشهاد عبد الباسط وبقية القافلة.

تلك المعاني التي تُرفع فوق الحزن والألم، بعد رحيل خيرة أبناء الثورة، ومن وحي هذه الحقائق يودع السوريون قوافل أحبّة وأعزاء، أصبحت تعبيرًا عن مشيئة اختارها الجلاد لكل البلاد والعباد، كانت أجلى الحقائق في جنازة الساروت وكلمات أمه لحظة الوداع، أدرك نظام العصابة، منذ بداية الثورة، أن القوة تكمن في التحام الجماهير مع رموزها ومع أبنائها، فاستهدف كلّ ما يدل على هذا التفاعل، وكل ما نتج عنه، هو عدوّ واضح وُضع أمام استراتيجية باتت معروفة الأبعاد ومحدَدة الخطى.

لا يمكن للقول: إن استهداف أي رمز أصبح مصدر إلهام للشعب السوري، أن يكون من باب المصادفة، فاقتلاع الحناجر والقتل المباشر والتمثيل بالجثث، واستهداف معظم بنى مجتمع السوريين الثائرين ورموزهم في المجالات كافة، وارتكاب الفظاعات، يأتي رحيل الساروت ليكون الالتقاء الأمثل والجذري لتلك الهجمة المتشعبة التي يخوضها بشار الأسد ضد الشعب السوري، في سبيل المحافظة على السلطة والوظيفة المناطة بها، في قتل وتدمير أنبل ما أنجبت سورية في عصرها الحديث من خيرة أبنائها.

الألم بفقدان الساروت فاجع، فقد كان يخفي خلف أغنياته تصلبًا في الحق، وتمسكًا بالمبدأ قل نظيره، سيظل بين الثوار بسلوكه الصادق وتصلبه في الحق، بعفويته الثورية النقية، إنه تعبيرٌ عن معظم الشعب السوري وصدقه في أمانيه، وسيبقى الساروت الحارس الذي أحبه جميع الثائرين، وسيظل رمزًا كبيرًا للنضال من أجل الحرية والمواطنة، والكرامة التي قاتل من أجل الوصول إليها بأنبل دوافع الحب للوطن والثورة، وأظهر كلّ الحوافز للتمسك بها، بذهنية واضحة تدرك أبعاد الخداع الممارس ومدلولاته ونتائجه، وتلك أسبابٌ تكفي الجلاد لاستهداف الأيقونات الثائرة.

سيبقى عبد الباسط الساروت في الثورة، يحظى بكل الوجود الكثيف الممتلئ الحاضر دومًا، وبكل العنف الثوري الذي كان أحد فرسانه، الألم فاجع، غير أن عظَمة الثورة والشعب السوري وجدارته بالحياة والمواطنة والكرامة ونيل الحرية، تكون في القدرة على تجاوز الآلام والارتقاء فوق الجراح، وعلى الرغم من الجراح التي خلفها فقدان رفاق عبد الباسط من قَبل، واليوم بفاجعة الثورة به، فلن يجهر السوريون بحزنهم على رحيل الأحبة فحسب، بل سيجهرون ويعملون بأنشودته:

نسيوا إذا الشعب انغلب

ما عاد سيف يفيد

جِتنا الجزاير ثايرة

بيها الحراير سايرة

الخرطوم صاحت حاضرة

ونقوم إيد بإيد

وبعون ربك يا مصر

تردين طاغوت العصر

من غيرك حزام الظهر

ودها المغول تبيد

ثورتنا هذي كاشفة

سورية ظلي واقفة

رغم الجروح النازفة

لا بد يلفي العيد

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق