سلايدرقضايا المجتمع

أين نحن من الساروت؟!

سأضع جانبًا رداء السياسية ومتاعبها، لأقف قليلًا عند شخصية استثنائية، لم يسبق أن أجمع السوريون على أحد مثلما أجمعوا عليها كرمز ثوري، قبل أيام استشهد في ساحات المعارك بريف حماة الشاب عبد الباسط الساروت، منشد الثورة وحارسها الأمين، القائد المغوار في (جيش العزة). رحل الفارس مقبلًا غير مدبر، متعطشًا لنيل الشهادة التي طالما أقسم على بلوغها أمام الملايين، ودّع الحياة تاركًا وراءه وصيته التي انحفرت في صدور من أحبهم وأحبوه: (لا تضيعوا دماء الشهداء، ولا تنسوا المعتقلين).

حقيقةً، لم يكن أحد يتصور عظمة المشهد في وداع الشهيد ومرافقته لمثواه الأخير، حيث تدافع الملايين بعيون دامعة، بعد نبأ استشهاده، لزفه كعريس لعروسه في الجنة، كيف لا وهو الذي نطق فؤاده بها قبل لسانه. وأتوا من كل فج عميق، بعدما تناقل السوريون بكل ما أتوا من إمكانات بتواصلهم ومناطق تواجدهم، خبر استشهاده، وأكاد أجزم أن البعض أصبح يُبدي غيرته من الساروت، وتمنى لو أنه كان في مكانه، ليس حبًا بالحياة، فهو نفسه لم يكن يتخيل أن تنعيه كبرى الصحف الغربية والأوروبية، بعناوينها الرئيسية وبالصفحات الأولى، إنما لشدة بأسه وثباته على مواقفه ومبادئه، فهو رجل استثنائي في زمن قد قلّ مثيله، ولم تفوّت الصحافة الغربية هذه الفرصة في استهلالها خبر الساروت، لعلمها بالرمزية التي يتمتع بها، ومن جانب آخر، وجهت بتناولها الخبر صفعة قوية للنظام الذي فقد توازنه، حين رأى حجم التفاعل والتلاحم على رمزية الساروت، فمن المؤكد أنها ضربة موجعة للنظام، كونه يعمل منذ ثمانية أعوام على تمزيق شمل السوريين، واتبع بذلك العديد من الاستراتيجيات، على رأسها سياسية التغير الديموغرافي، والتهجير القسري، وطرد الملايين إلى خارج سورية، بهدف الاستيلاء على أملاكهم وحقوقهم، وزرع نيران الحقد والطائفية فيما بينهم، عبر خلاياه النائمة، وتأليب الحاضنة الشعبية على الفصائل، بوصفها إرهابية وداعشية، وهو نفسه من دبر مكيدة للساروت بالدعشنة، منذ سنوات، لكنها باءت بالفشل. واليوم يرى النظام كيف أن إنجازاته انهارت، وأدرك أن بيته أوهن من بيت العنكبوت، الآلاف من السوريين، خارج سورية وداخلها، اجتمعوا على قلب شهيد واحد، وأقسموا على المضي قدمًا بالعهود والمواثيق التي كان ثابتًا عليها الساروت، ما يعني أنه قد صوّب رصاصته الأخيرة في نعش النظام، قبل أن يُنقل إلى نعشه، وهي رسالة لكل سوري حيّ، مفادها أن يتمسك كل سوري حرّ وشريف بالبوصلة الأولى للثورة الموجهة نحو النظام، التي لم يحد عنها الساروت يومًا، حتى إنه عندما اضطر إلى حمل السلاح، بعد جهاده بكلماته التي أوجعت النظام في بداية الحراك السلمي، لم يغيّر اتجاه البندقية، بدليل أنه رفض الانتماء إلى الحزبية والفصائلية المتأدلجة، وانضم إلى فصيل (جيش العزة) الذي يجمع السوريون على أنه الفصيل الوحيد الذي رفض تنفيذ الإملاءات والأجندات الدولية.

إذًا، نحن لا نبالغ في الحديث عن رجل استثنائي أوجع النظام حتى في رحيله، ظل ثابتًا في المقدمات، وإذا ما تكلمنا على مسيرته، فإن اللغات تعجز عن وصفها، أو تلخيصها، وصدق من قال إن الساروت هو “تاريخ ثورة بأكملها”، ومن قال: “عندما سأحدث أطفالي عن الثورة؛ سأكتفي بالحديث عن الساروت”. وهنا قد يسأل سائل.. أيُ كلام هذا؟ وهل نحن أمام مبالغة إنشائية في وصف الساروت، أوليس العقيد يوسف الجادر، وحجي مارع، وغياث مطر، ورزان زيتونة وغيرهم الكثير، هم أيضًا أيقونات ثورية قدموا الغالي والنفيس في سبيل الحرية؟! فما الذي يميز الساروت عن الذين رحلوا؟

إن توقفنا عند شخصية الساروت لا يعني أي انتقاص لمن سبقوه، فالدرب واحد والساروت هو أول من اقتدى بهم ونادى بالثأر لهم، إنما الفارق هو شدة الحزن التي تركها الساروت وراءه، فالظروف التي عاشها الساروت، والتي رشحته ليشهد سقوط المناطق في حمص ودرعا وحلب وحماة، وصولًا إلى تهديد 4 مليون سوري في إدلب، كانت كفيلة بأن تفجر مستودع الأحزان عند كل سوري، لحظة سماع نبأ وفاته، لسبب بسيط أن الساروت كان ملازمًا لجميع الأحداث السوداء التي خيمت فوق رؤوس السوريين منذ سنوات، فهو لم يكن كأي إنسان سوري انتقل من مكان إلى آخر، بل كان الحارس والمنشد والمقاتل والمدافع عن كل مكان كان فيه.

وآن لنا أن نسأل: كيف لرجل كلّما فقد عزيزًا عليه، اشتد صلابة وبأسًا وقوة، أن يجدد عند كل مرة قسم اليمين بمواصلة الكفاح حتى آخر قطرة دم؟ وكيف لإنسان فُتحت له أبواب الدنيا في عزها ومناصبها ومتاعها، أن يرفضها، ليبقى مع أبناء المهجرين والنازحين، يحزن لحزنهم، ويتألم لألمهم، ويجوع لجوعهم، علمًا أنه كان من الممكن أن يرضخ عند أول عرض قُدم له، ليذهب وراء طموحه الشخصي، لكنه أبى أن يكون أنانيًا، واختار أن ينصهر مع ذوات السوريين الحالمين بغدٍ أجمل.

عند هذا المطاف، من غير الممكن أن نكون في موقف مبالغة أو تضخيم، على العكس، مهما كتبنا ومهما تكلمنا، فلن نصل إلى الحد الأدنى لإيفاء الحارس الأمين حقه، فهو الرمز الذي أتعب من بعده، وعندما يجتمع الجميع على بكاء ونعي الشهيد، فما ذلك إلا لشدة حزننا من محبتنا له، ومن جانب آخر نحن نبكي على أنفسنا المتعبة، المهترئة، من شدة التقصير، ولمثل الساروت تنحي الهامات، وعلى حبه فلتبكي العيون، لكن لا أحد يستطيع إنصافه إلا من سار على دربه، وتمسك بوصيته: (لا تضيعوا دماء الشهداء)

وأخيرًا، نحن نعجز عن إنصاف العظماء، فهناك فرق كبير في المنازل والمراتب، الله وحده من ينصفهم في الدارين الدنيا والآخرة، فطوبى لمن نال مراتب الشهداء كما نالها الساروت.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق