كلمة جيرون

استُشهد لكنه لم يُهزم

ربما كان قليلَ خبرة في السياسة والعسكرة، لكنّه كان خبيرًا في إبقاء جذوة الثورة متقدة، وخبيرًا في حب الحرية والأرض والإنسان، ولم يكن يحمل أيديولوجيا راسخة أو محددة، ولا أيديولوجيا منفعية أو مصطنعة، بل كانت أيديولوجيا همّها تحقيق المعاني التي تحملها فكرة الثورة، ولم يضع أمام عينيه الحصول على مكاسب شخصية، وآثر البقاء في أرضٍ تستعر، حيث يعيث النظام السوري وحلفاؤه قتلًا وتدميرًا، ولم يكن يكترث بأن يكون ضحيتهم التالية، وتابع ما بدأه قبل ثماني سنوات، فغنّى ونظم الأشعار، وبثَّ التفاؤل بأن ليل الاستبداد زائل لا محالة، وأن شمس الحرية ستشرق في سورية قريبًا.

استُشهد عبد الباسط الساروت، الذي يُعدّ من الرموز القليلة الباقية لتلك الأيام الجميلة للثورة، أيام التظاهر السلمي والغناء والقصائد، أيام الحلم بالتغيير السياسي الممكن والقريب، وأيام توزيع الورود على جلّادي النظام مقابل رصاصهم.

استُشهد الساروت، لكنه لم يُهزم، وسيبقى في ذاكرة السوريين ومذكراتهم وأدبيات ثورتهم، ولن يُنسى، وسيظل شوكة في حلق الجلاد، حيًا وميتًا، وسيبقى مُلهمًا وصاحب تجربة تُحاكي تجربة الثورة السورية، بكل ألقها ونكساتها وتغيراتها وتبدلاتها وحمولاتها واحتمالاتها وطرقها الشائكة، كما تُحاكي تجربة شعب مسكين حلم بالحرية والكرامة والشمس التي لا تغيب، فأُبيد.

استُشهد الساروت، لكن الفكرة التي ضحى من أجلها لن تموت، سقطت الراية من يده، ولا بد من أن هناك من سيحملها، فالحق دائمًا يجد وراءه مُطالبًا، والحرية دائمًا لديها من يرنو إليها ويُقاتل من أجلها، والسنبلة التي تسقط تُنبِت بعد حولٍ الكثير من السنابل.

لم يسعَ المنتفضون السوريون قبل ثماني سنوات لحمل السلاح؛ بل حملوا الكثير من الورود ووزعوها، ولم يكن همّهم العسكرة، بل رفضوها وأدانوها، ولم يخرجوا في الشوارع بالملايين كل يوم جمعة من أجل القتل والتدمير؛ بل من أجل بناء وطن حر كريم ديمقراطي تعددي تداولي لكل السوريين، لكن العنف المنفلت للنظام وشراسة حلفائه، وقلّة الخبرة السياسية للمعارضة وفشلها، كل هذا دفعهم عنوة إلى مسارات جانبية، لم يكونوا يريدونها، أثّرت في مسيرة ثورتهم وهشّمتها.

هذا تمامًا ما واجهه الساروت، لكنّه من النادرين الذين أصرّوا على البقاء متصالحين مع فكرة ثورتهم، فلم ينحرف عنها، سار في دروب وعرة صعبة ومتشعبة، وكان هدفه دائمًا إبقاء الثورة متألقة، وهذا ما حققه، وستضمنه من بعده حركة التاريخ الإنساني.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق