مقالات الرأي

سورية الحرائق المستمرة

السوريون وحدهم يعرفون حجم كوارثهم، ويدركون معنى الانتقال من أزمة إلى أخرى، وما يرافق ذلك من تداعيات تصبّ بمجملها عليهم، وإن كان آخرها نكبة الحرائق التي التهمت أملهم بمحصول وافر، حيث أخذ حرّ الصيف ما أعطاهم مطر الشتاء من بُشرى الخير، لكنها نكبة مضافة، فالسوريون يعرفون حدود الجوع والتجويع، ويدركون أن إضرام النيران أصعب من إخمادها.

إن كان للطبيعة شأنها في كوارثها وحرائقها، فإن المأساة تكمن في أن هذه الحرائق التي طالت قوت السوريين وأرزاقهم في أرياف الرقة ودير الزور والحسكة، وإدلب ودرعا والسويداء، لم تجد من يردعها. فالكل مشغول عن إخمادها بإشعال حرائق أخرى قلبت أحلام السوريين كوابيس منذ ثماني سنوات. القصة ليست بحريق من نتاج الطبيعة، بل بعجز الدولة السورية المتهالكة عن ضبطه أو مواجهة أي أزمة يعانيها السوريون من جهة، ومن جهة ثانية قدرتها هي وداعموها على استكمال الحرائق، فالسلطة أضرمت النيران في ريف حماة الشمالي وإدلب الجنوبي، قبل أن تُشعل محاصيل موسم القمح والشعير، وراح ضحية قصف إدلب 430 مدنيًا، بحسب تقرير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، خلال أيار/ مايو الفائت. ليكون الحريق الأكبر من نصيب الرقة، التي تخضع هي ومحاصيلها لحسابات سياسية مختلفة ومتباينة، بين قيادات “قوات سوريا الديمقراطية” والعرب، جعلت مسؤولية إطفاء الحريق تقع على عاتق الإدارة الذاتية، بوصفها الحامي لتلك المنطقة، على الرغم من تبنّي تنظيم “الدولة الإسلامية” الحرائق في الرقة ودير الزور.

أزمة الحرائق لا تبتعد عن أزمات معيشية أخرى: الكهرباء، الغاز، المازوت وغيرها، فسورية تحوّلت منذ 2012 من بلد مصدّر للقمح إلى مستورد، وأبرمت عقود الاستيراد لهذا العام مع شركات روسية، وطوق الجوع الملتفّ على أعناق السوريين كغيره من المداخل التي تلجأ الأنظمة السياسية إلى استغلالها بل تسعى لتصنيعها في سبيل إعادة ضبط العلاقة بين الحاكم والمحكوم، من مدخل الحاجة إلى تعزيز قيادته، فالاعتياش على الأزمات كبيرها وصغيرها يضمن الصمت، ويشكّل ناظمًا لتمتين التحكم، وهذا ما شكّل أساسًا للسلطة السورية انتقل داخليًا من استغلال أزمة “الإخوان المسلمين”، إلى وجود (داعش) والنصر على الإرهاب، التي شكّلت تبريرًا لدخولها بحرب مفتوحة ضدّ مجتمعها، وأعادت ضبط اصطفاف بعض الفئات حول السلطة، ومع نهاية (داعش) صارت بحاجة إلى أزمة إلهاء بأدوات مختلفة.

حرائق الطبيعة، بعشوائيتها التي أحرقَت رغيف السوريين وسلّتهم الغذائية، أتت تتويجًا لحرائق مفتعلة كانت ردًا على شرارة ثورة ومطالبة بالكفّ عن التجويع ورفع الحصار عن أعناق السوريين، لتشعل بلدًا بأكمله وتُدخل السوريين بمعظم المناطق في جحيم القتل والدمار والتهجير واللجوء والإذلال. فالجوع الذي كان أحد الأسباب التي دفعت السوري إلى يرفع صوته مطالبًا بحقوقه، تحوّل سلاحًا فعالًا للمصالحات الواهية، واسترجاع المناطق الخارجة عن سيطرة النظام وإعادة إخضاعها، ولإحكام القبضة على السوريين في مناطق النظام، وإشغالهم برغيف خبزهم المصادَر، مثلهم مثل بلدهم الذي صار خاضعًا لإدارات موتٍ مختلفة، ولحروب تفرضها الأطراف كافة لتصفية الحسابات، التي توجّهت مؤخرًا نحو إيران التي تريد مواجهة “إسرائيل” من خارج حدودها، وتهتف “الموت لأمريكا” وتحرّك بيادقها في سورية، كمحاولة لفتح جبهة إشغال جديدة لتخفيف الضغوط الدولية والإقليمية عنها، و”إسرائيل” تردّ بصواريخها لضرب مواقع تابعة للحرس الثوري و”حزب الله” لردع إيران، وكذلك للتخفيف من أزمتها السياسية، على إثر فشل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في تشكيل حكومة جديدة، واختياره التوجّه إلى انتخابات جديدة، وقد أدخل التصعيد بين الطرفين السوريين في متاهات الترقّب لحرب مستبعدة ولكنها ممكنة، خصوصًا أن إيران غارقة بحصارها الاقتصادي، ومتعمّقة في معتركات حروب متنوّعة لتثبت قدرتها على التحرّك وسط دائرة نفوذها وقوّتها الإقليمية. وأميركا و”إسرائيل” لن تتراجعا في قراراتهما حول الوجود الإيراني وميليشياته، وأي انفجار بينهما سيجرّ محرقة واسعة يكون وقودها السوريين الذين لم تكن لهم أصلًا دولة تحميهم وتصون مصالحهم، ثم تحوّلت دولتهم في الحرب إلى مساحة محروقة لحلّ الخلافات ولإثبات القدرات العسكرية لجميع الأطراف.

الحرائق السورية ستبقى تشتعل وتنتقل من مكان لآخر، في بلد تأكله نيران الحرب والتدخلات الدولية والإقليمية، التي يتكاثف دخانها مع الدخول إلى حقبة القرار النهائي والمرحلة الرمادية لتسوية سياسية بين الأطراف، الثابت الوحيد في معادلاتها -حتى الآن- أن الغرب لا يعمل على إزاحة روسيا عن سورية، كما عمل قبل عقود على إزاحة الإتحاد السوفييتي عن أفغانستان، تعرف موسكو ذلك وتدرك أن الغرب يريد شراكة يفرض شروطه داخلها، وموسكو الساعية للاستقرار في سورية وامتلاكها، ما زالت تراهن على صيانة النظام فيها. وهذا ما حمله التقرير الذي نشرته صحيفة (غازيتا) الروسية، مشيرة إلى إمكانية عرض الولايات المتحدة و”إسرائيل” صفقة بشأن سورية على روسيا، خلال الاجتماع الثلاثي المقرّر عقده في القدس، وأنهما ستعترفان بشرعية الرئيس السوري، مقابل عمل موسكو على تقليص النفوذ الإيراني في سورية المُستملكة فعليًا لصالح الطرفين.

حرائق الدولة السورية لن تُخمدها شعارات الحلّ السياسي، فهو مجرد مسار احتياطي لترتيب الواجهة بما يناسب جهات الحلّ والربط، و”اللّقمة” صعبة مع انتظار الآخرين، ليتمّوا إنتاج سورية على مقاسات تفاهماتهم الدولية والإقليمية. ومهما تمخّضت عنه هذه التفاهمات؛ فستبقى قاصرة عن إعادة الحقوق إلى أصحابها، فنظريات التسوية الممكنة التي تتماشى مع رغبة الأطراف الخارجية، تتجاهل السوريين كشعب وتضع بديلًا له السلطة، مع إنكار الجميع أنه منذ اللحظة الأولى التي استبدلت فيها السلطة وجودها بفوّهة البندقية للحصول على الطاعة الكاملة، فقدت قدرتها على النصر، وما يدفعه الشعب السوري من دماء تدفعه السلطة في قدرتها على الاستمرار، فدعاية النصر الزائف لا تدوم إلا في أذهان من روّجوا لها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق