هموم ثقافية

كيف تتخلّص من المؤلِّف الغوغائي؟

فرقٌ أن تقرأ لكاتبٍ لغتُه ممتلئة بالحياة، وآخر لغته مسكونة بالموت. فمثلًا حين تقرأ لمحمد الماغوط أو زكريا تامر، فثمَّة عرض يقدِّمانه للقارئ لا يملك إلاَّ أن يقبل بشروطه؛ عرض يصير إغراءً، لسانًا مثقَّفًا نشطًا يقظًا، ونفيره السياسي ضارٍ وشرس، ناعم، متهكِّم، موجع لكنَّه معقول. في حين عندما تقرأ لشاعر مثل المتنبي، فأنتَ مع كاتبٍ كأنَّه يُؤسِّس لنظرية الفعل الكلامي الذي سيدفع ثمن نظريته لاحقًا. فالكلمة عنده تتحوَّل إلى صورة تركيبية مليئة بأحداث محتملة، وهذا ما حرَّض خصومه عليه، فمارسوا إرهابهم وكادوا له.

فالمتنبي في شعره شاعرٌ يكفي نَفسَه بنفسِه في تسوّده، كسيِّد، وحين ينفعلُ نراه يبقى في إطار العقل، لا يذهب إلى اللامعقول، فيبقى ناقدًا وحكيمًا مبصرًا، ويبقى شعره عملًا عقليًا لكن بأبعاد انفعالية، وحاملًا حقيقيًا، وليس رمزيًا للشعور الجماعي للفرد أو الجماعة أو الأمَّة، فلا يخاف ولا يخشى ولا يَجبُن، ودلالاته على دقَّتها إنَّما تطمح إلى المعقول، وإِنْ كانت مغمَّسة بلهيب النار، بلهيب الحماسة للحياة، لذا نقرؤه ونقرؤه ونقرؤه، ولا نملُّه. كَمْ مِنْ شاعرٍ بَعده وكَمْ من شاعر قبله؟ مع ذلك يبقى المتنبي كشمسٍ مركزية تعطي ضياءها، نارها، نورها، ولا تأخذ مقابلًا. بينما لو قرأنا نجيب محفوظ، فنحن مع كلام/ اختيارٍ لمعنى، معنًى ما يقول، وليس الشكل الذي قال فيه وإِنْ كان رواية، فيشدُّنا المعنى وليس الدلالة في رواياته، فهو ليس كمعروف الرصافي أو الجواهري أو المتنبي يذهبُ إلى أصل الكلمة واشتقاقاتها، وإلى تحقيق طبيعتها البلاغية واللسانية؛ بل نحن مع معنى/ معانٍ، مع أحداثٍ فيها لحظات تأملية تختفي وتظهر عند شخصياته، كما في رواية (الطريق)، وأيضًا، نحن مع لصوص، حرافيش فتوات، مع خيانات، خونة لعادات وتقاليد اجتماعية، مع زناة وعصاة. عالم مختلف وربَّما مفارق من حيث استخدام الكلمة، كلمة تخالط أمكنتها الخاصة، وتسكنها أحيانًا، وكثيرًا ما تقودنا إلى لحظة تأملية، وإلى حركة عدمية؛ حيث تنهدم القيم الأخلاقية والاجتماعية، وقد تعود بنا إلى عرس وعوامة وحشَّاشين، وربَّما إلى شخصٍ أو شخصيات تبدو مستقيمة لكنَّها منفصلة ومنخلعة متخلِّعة ومعوجة. لكننا دائمًا ونحن نقرأ نجيب محفوظ، نكون مع لمسة عبقرية، مع روح عظيمة لكاتب يغار على الحياة.

بالمقابل، هناك كتَّابٌ لا يمكن أن تقرأهم، على الرغم من أنَّهم يسوِّقون أنفسهم -بحكم مناصبهم الإعلامية والثقافية- يوميًا وأسبوعيًا وشهريًا؛ مرّةً على أنَّهم شعراء، ومرَّة على أنَّهم نقَّاد، ومرَّة على أنَّهم روائيون، ومرَّة على أنَّهم فتَّاحو فال.. ولسبب، هو أنَّ كتاباتهم لا خلافَ ولا اختلافَ ولا صراعَ ولا روحَ فيها، ولا تمثِّل أيَّ فضاء من فضاءات اللغة، إنَّها ثرثرة، كلام وكلام لأشباح؛ بل لمشبحينَ ماتَ العقلُ عندهم، ولم يعودوا في عداد الأحياء. ومع ذلك يثرثرون، فيظهر ويكبر ذلك الصدع ذو النزعة العدوانية التخريبية الذي لا سبيل إلى رأبه، لِتَمُرَّ منه حشرات ديدانية تنشر الأمراض والأوبئة من أشعارهم ورواياتهم التي لا قوَّة لثقلها، ولا بريق للونها، روايات/ كتابات تنتفخ، تنتفخ، ثمَّ تنهار. أين ذاك البيان البطولي ذو النداء الملحمي الذي في روايات، أفكار، وأشعار وقصص ومسرحيات ولوحات: لؤي كيالي، وفاتح المدرس، ومحمد الماغوط، وزكريا تامر، وهاني الراهب، وصادق العظم، وبوعلي ياسين، وجورج طرابيشي، وياسين الحافظ، وإلياس مرقص، وممدوح عدوان، ومصطفى الحلاج.. صوت الدراويش يبحثون عن الحقيقة.. وآخرين. من هذه الأصوات القاصرة عقليًا، والتي تعمل على تنصيب نفسها كآلهة ذات امتيازات أدبية وثقافية للاستيلاء على العقل باسم الرواية والمسرح والشعر، وبذات أدوات القمع الثقافي الذي تمارسه قوى التجهيل الاستعماري على الشعوب المقهورة المحكومة بسيف الاستبداد.

عجيبٌ أمر هؤلاء المؤلفين/ الكُتَّاب، بل و”السيناريوهيين” كَتَبَةُ المسلسلات الرمضانية، في رمضان هذا، الذين حولوها إلى سلاسل وجنازير تجلدنا، فاشتغلوها بإفساح مساحاتٍ لتغذية فعل الجريمة والحضِّ على ضرورة “الكيف” والقتل والتشبيح، وبكل المعايير التي تستبيح القيم الأخلاقية للمجتمع السوري والعربي.! فلا شعور بالجمال، بل هي مَشَاهِد لاستهلاك القباحة، ولإشباع رغائب سيكولوجية في الجنس والمخدرات والسرقة، ذلك بخلط الواقعي بالخيالي، مع شيء من مغامرات بوليسية، وشيء من شبقية، لكن ليس عن الفرسان الأسطوريين والفرسان الواقعيين الذين صنعوا تاريخنا الأدبي والعلمي والفلسفي في حاضر وماضي الزمان.

ما هذا الترويج للجريمة؟ ما هذه الوحوش التي تملأ شاشات التلفزة، هذه الوحوش المقدَّسة! التي تصنع طقوسًا لها كشخصيات عصية على الموت لا تقهرها المخاطر، ووقودها من الناس الأبرياء والفقراء بصفتهم ضحايا الجريمة الدرامية.

في الماضي، لمَّا كانت المسلسلات نصف بريئة، كانت تقوم بيننا وبين أبطالها صلة عاطفية شخصية. الآن انقطعت هذه الصلة، كما انقطعت مع الروايات والأشعار التي تتعامل معنا بصفتنا “حَصَّالة” ومُحصِّلة اقتصادية وسياسية لِوَغْدَنَتِهِم. حصَّالة لسردٍ؛ حتى لو كان قائمًا في بعضٍ من مفاصله ومَشَاهِدِه على الجدل؛ تشعر أنَّه مجرَّد جدل لفظي لا يألفه العقل ولا يستسيغه القلب، وسرعان ما تطرح الكتاب من يدك وتدير ظهرك للشاشة، فهو كتاب صناعة ومسلسل صناعة، ولا أظن أنَّهما مكتوبان بصيغة تُخاطب العقل الإنساني، لأنَّكَ ستُصاب فورًا بالضجر. بل ثمة أكثرُ من ذلك: ستُصابُ بالنعاس وتنام ولا تنام، وأنتَ تحار، وأنتَ تتساءل: إذا تخلَّصتُ من الكتاب بإلقائه أو بإتلافه، فماذا، وكيفَ أتخلَّصُ من مؤلِّف الكتاب، وصانع الدراما؟!

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق