أدب وفنون

عناق الشعر مع النحت والمسرح

يُشكّل الشعر -في أحد وجوهه- غواية، غواية النص، وغواية الإلقاء، فكيف إذا تعانق مع فن النحت، وفن الأداء، وكان البطل هو الشاعر؟

في العرض المسرحي الشعري “لم ينتبه أحدٌ لموتك” الذي أقيم في أكاديميّة الفنون في العاصمة الألمانية برلين، لم نكن أمام عرض مونودراما، وإنما أمام مشهدية متعددة أرادت أن تقول، على الرغم من صوت اللهاث، والركض، والأنين، والصراخ المكتوم، وتعفّر الكوكب بغبار الحرب، وتحوّل مدننا إلى ركام: “لم ينتبه أحد لموتك“، وتلك هي المسألة؟

“لم ينتبه أحد لموتك”، قصيدة للشاعر الفلسطيني السوري رامي العاشق، المقيم في ألمانيا منذ سنوات، قصيدة تتمسرح، لتقول حكايتنا مع الموت خلال نصف ساعة، وأمام جمهور متعدد اللغات، حكاية الموت مع الموت، الذهول، الخيانات، لماذا نموت وكيف يمرّ كلّ هؤلاء أمام موتنا، بل كيف يرى هذا العالم ولا يرى؟

ولأن الفنون تنتمي جميعًا إلى شجرة الحب والحياة، وربما تنتمي في جوهرها إلى الألم الإنساني، فقد شكّل العرض مساحة لعناق الشعر مع فن النحت، والأداء المسرحي، وكنا أمام شاعر شاب عرف معنى اللجوء، والغربة، والانزياح عن مكانه الشامي، إلى جانب الفنانة التشكيلية عبير فرهود المقيمة في مدينة فيسمار الألمانية، والتي منحت الفضاء المسرحي معنى من معاني الوجود، إلى جانب الأداء المسرحي والرؤية الإخراجية للفنانة الجولانية مايا أميّة قيش التي جاءت من حيفا، من أجل هذا العرض.

نص الصراع:

يحضر النص الشعري الدرامي لرامي العاشق مرتجفًا، يبدأ بجملة شعرية تحمل عنوان النص “لم ينتبه أحد لموتك”، كإشارة حقيقية إلى موت فاجع، هذا الموت الذي لم ينتبه إليه أحد، يقف كلحظة إدانة بين وجود وعدم، وسرعان ما يأخذنا -بعد جملتين شعريتين- إلى لحظة أخرى، تسرد حكاية شعرية قلقة مرتبكة، حيث الموت العاري، القتل العاري في سطوع الشمس، والعالم لا يكترث لموتنا.

“تأقلمتُ انتظارًا في الرحيلِ مع السؤالِ

وما وصلتُ

أنا إلهٌ عاجزٌ

تركَ الوصايةَ واستراحَ

إلى السؤالِ”

….

الصوت بطل، صوت اللهاث والركض وصوت الطين.. صوت الشاعر، هنا على هذه المنصة يتعانق الشعر مع النحت بكيمياء خاصة تجسد تجليات الموت، فهل ينتصر النص للحياة؟

يحضر الموت في القصيدة على شكل عبث، وأسئلة، واستنكار، وجمل صادمة، تبدأ وتتناسل منها صور أقرب للهذيان والحمى، يختلط فيها كلّ شيء بأسئلة الوجود بتناقضاته وانزياحاته، ومن فرط تزاحم الأحداث الدموية، نستحضر تزاحم الأضداد والأحداث في مخيلة أبي العلاء المعري الخالدة، بانزياحها نحو الموقف من الوجود الإنساني.

وسط هذا المناخ التراجيدي، يقف الشاعر الإنسان قبل كل شيء، أعزل، وسط ضجيج السلاح والكراهية، لا يملك أمام عماء العالم عن موتنا، إلا الكلمات، أو ما يشبه المراثي، يهجو العالم الغارق بالانحطاط القيّمي الوجداني والسياسي والإنساني، فوجوه الضحايا وصورة المجزرة واحد. يقدم العاشق موضوعة الموت، وكأنها لحظة وجودية منفلتة من كل شيء، وهو مدخل قوي، ولكن سرعان ما يقدم فكرة أخرى داخل النص الشعري، ليست تناقضًا، إنما حالة أشبه بالهذيان:

“لم ينتبهْ أحدٌ لموتِكَ

هل رحلْتْ؟”

ثم يعلن:

“عرف الجميعُ بموتِكَ

انتبهوا جميعًا

أهملوكَ وأكملوا” …

يقول العاشق: “يبحث العرض التجريبي في الموت، وقد بني بشكل أساسي على قصيدة (لم ينتبه أحد لموتك) القصيدة التي تبحث في الموت والحياة والتعذيب والشعر والحرب والله، وقد أهديتها إلى الذين قُتلوا تحت التعذيب في معتقلات النظام”.

ونسأل: عمَ يبحث المسرح المعاصر في القصيدة؟ وكيف نعثر على فراشات درامية أو ما بعد درامية في القصيدة؟

لا شك في أن تفكيك العالم الغنائي داخل النص الشعري، وإعادة صياغة العالم الدرامي، يتطلب متدخلين ومخططات، من قبيل الشاعر والدراماتورج والمخرج والممثل. الشعر في المسرحية نوع من كولاج، أو مقاربات بين الإحساس بالقصيدة، واللعب على تفجرها في فنّها، وبنيتها الصوتية، الكلمة والنظام الصوتي. فالعلاقة بين فنَّي الشعر والمسرح، علاقة تناغم في اتجاه خلق فاعلية إبداعية خصبة، وإعطاء المسرح تلك الشحنة البصرية والجمالية، والمؤثرة في فعل التلقي.

مسرح مفتوح:

قدّم العرض على مسرح مربع الشكل، وقد تحلّق الجمهور من جهاته الأربع.. تجلس الممثلة مايا أمية قيش على الأرض، تعجن طينًا، وتدخل فيه شيئًا فشيئًا، قد تكون هذه إشارة إلى غبار الحرب.. في زاوية ثانية، ثمة منحوتات لا ملامح لها تنتصب بشكل عشوائي، أحجامها متفاوتة، وإيحاءاتها لا يمكن التكهّن بها، وثمّة ما يُبنى بيديّ النحاتة عبير فرهود التي تضع قطعًا من جسد ما وتبنيها بهدوء. وفي الزاوية الثالثة ثمّة ضوء على مكان فارغ، ضوء على الغياب يزداد لاحقًا عند حضور الشاعر.. يدخل الشاعر من بين الجمهور وبمجرد وصوله إلى مكانه، تُشعل الأضواء ويبدأ قصيدته.

النص الشعري:

حين نسمع عن مسرحَة الشعر، نقف أمام النص وتقطيعه إلى سيناريو، نسأل عن الإضاءة، والموسيقى، وعن الأداء وتنامي الدراما داخل النص.

لم يُقطع النص الشعري إلى وحدات، كما هي عادة المسرح الشعري، وإنما اتخذ الشاعر رامي العاشق، دور الشاعر فقط، من دون أن يدخل بلعبة التمثيل، أو حتى وقفات الشعر الطويلة.. حتى الصوت، لم يأخذ تلاوين مختلفة، بمعنى أوضح: كان يمكن أن يغني الشاعر بلحظة، أن يصرخ بلحظة ثانية، أن يبكي، أو أن يمشي مع الممثلة.. بقي الشاعر على منصة الشعر وحده، واستطاعت الممثلة أن تحمل روح النص، من خلال جسدها وأدائها، الذي ملأ الفضاء المسرحي.

مسرحة الشعر:

مسرحة الشعر تعني صياغة جديدة للنص، إنّها حياكة بصريّة متقنة لأطر سينوغرافيّة وأدائيّة تعطي الشعرَ فضاءً جديدًا، يلتقط هذا التقطيع نزف القصيدة الداخلي، ويعيد تشكيلها أدائيًا من خلال جسد الممثلة.

على طرف آخر، يمكن رصد العلاقة بين النحت والشعر والمسرح، من خلال الكثير من الدلالات المباشرة وغير المباشرة، وهي بمجملها تشكل تعبيرًا عن الحس الفني والقضايا الإنسانية والفكرية، من خلال ملامح بصرية وحركية ومفردات الكتلة والفراغ والظل والنور.

استطاعت الممثلة مايا أمية قيش تحويل مشاهد كثيرة إلى لوحات فنية، وهي ثيمة مهمة مبنية على الحركة كلغة تعبيرية للجسد، أحالت العرض إلى لوحة إبداعية متكاملة تؤثر فينا بمجموعها، رغم صورة الألم التي قدمتها، فالتعبير الجسدي هو لغة مثل بقية اللغات التعبيرية، تلطخ نفسها بالطين، تصبح بلا ملامح، وتتحوّل إلى منحوتة تتنفّس، ثم تبدأ بالركض في مكانها، وهو ما يوحي بالحصار والحرب، ومع استمرار النص تستمر مايا بالركض، تركض في كل اتجاه، وكأنها تبحث عن شيء، أو تهرب من دمار، فتتحول إلى جسد من طين وغبار، ممحي الملامح، وتستمر في الركض وصوت اللهاث تأكيدًا على الحياة وعدم الاستسلام لأي حالة، وكأنها تقول نصها الخاص بها، نص الحرب، والغربة، والاعتقال، إنه نص المرأة، في حالاتها المتعددة.

يضاء المسرح بمشهد الأداء التمثيلي هنا، ومشهد النحاتة هناك، أجساد تتركب، تتناغم، مع النص، واللهاث والطين، تبني عبير فرهود تماثيلها بشرًا وغير بشر، حجرًا وغير حجر، بملامح ومن دونها. يسأل رامي:

“كم مضى؟”

ويجيب:

“لا الوقت يعرف

لا المؤقِّت قد قضى

نزداد ضعفًا

كلّما اشتدّ الحنينُ

ينتهي النص الشعري، ينسحب الشاعر، ويصبح أحد المتفرجين على العرض، وتخرج النحاتة بعد أن أكملت مهمتها وخلقت بشرًا من طين، ومايا ما تزال تركض، ومع خروج النحاتة من خشبة المسرح؛ تسقط التماثيل جميعها وتتحطم في لحظة درامية مفاجئة، يحدث الموت، تموت القصيدة، ويموت الشاعر، وتتحطم التماثيل، وينتهي كل شيء، إلا مايا التي تركض وتستمرّ في الركض إلى ما لانهاية..

تجارب شعرية:

أعادني هذا العرض إلى تجارب شعرية تحولت إلى أعمال مسرحية، على أيدي مخرجين مهمين. مسرحة الشعر ليست جديدة، دائمًا كانت هناك محاولات، لكن لم يحدث أن اجتمع المسرح مع النحت الحي والشعر معًا. علاقة الشعر بالمسرح تعود إلى الإغريق الذين عرفوا أول إرهاصات المسرح الشعري، الذي تكونت منه الدراما. وقد أشار أرسطو إلى العلاقة الوثيقة بين الشعر والمسرح، باعتبار الشعر فنًا من فنون المحاكاة كالموسيقى والرسم.

إنها حكايتنا داخل القصيدة، وفي أكثر من مكان، حكاية موت، أشبه بحالة سريالية، كونها تتجاوز كل الخيالات:

“أخشى التدفُّقَ

لا لشيءٍ

بلْ لأنَّ النهرَ لا يهبُ الحكايةَ

فرصةً..

لتصيرَ خمرًا”

تعتمد سينوغرافيا العرض، على هذه الكيمياء وربما الحوار بين الشعر وفن النحت، والتمثيل أيضًا، حيث قدمت الممثلة، وهي تجلس في زاوية الخشبة مشهدًا منح النص الشعري، المليء بالتأويلات والحكايات، دينامية، من خلال حركة الممثلة وصوت لهاثها وركضها، وغبار الحرب وهدم المدن الذي يغطيها، ومنح العرض صوت الإنسان الذي يقف في العراء، ما جعلنا نقف في النهاية على مجموعة من المشاهد المندمجة، مشهد النحت، مشهد الممثلة، والشاعر وهو يلقي قصيدته، وقد شكّل الجمهور جزءًا حقيقيًا من العرض، في مسرح مفتوح كما الحياة، على الحكاية، حكايتنا.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق