أدب وفنون

إذاعة حج نجيب

مَن منكم لا يعرف “حج نجيب” سمّان حارتنا وشيخها الأريب؟ صحيح أن محله صغير ولا تتوفر فيه بضائع وسلع كثيرة، على عكس محل السمان “حج هلال” الذي طبقت شهرته آفاق حي السكري بحلب، لكن الحاج نجيب لا يقل شهرة عن زميله الحاج هلال، على الرغم من بعد المسافة بينهما، فواحد في الشرق والثاني في أقصى غرب الحي، مع اختلاف تنوع وجودة البضائع بين المحلين.. صحيح أن الواقع يقول بأن الحاج هلال يقصده أهالي وأولاد الحي من كل فج عميق ومن كل بيت وشارع وزقاق، لكن الحاج نجيب يقصده كثير من الناس أيضًا، فهو شيخ جامع “عقيل” المقابل لمحله وطبيب الحارة الروحي، وهو صاحب إذاعة الجامع في غياب المؤذن، كان يتولى مهمة إذاعة أخبار الحارة المهمة من مكبرات الصوت المعلقة على مئذنة الجامع، والموصولة بغيرها على مسافات أبعد.. أهم البيانات والبلاغات التي كان يذيعها على أسماعنا الحاج نجيب غير أخبار الوفيات، هي بلاغات الإخبار عن الأولاد الضائعين، يكلّفه بذلك أهل الولد الضايع، أو الذين يجدون الولد الضائع، ويعجزون عن التوصل إلى معرفة بيت أهله، يأخذ ما فيه النصيب ممن يكلفه بالمهمة، ويدخل الجامع ويتناول “الميكرفون” ويبدأ الإعلان:

(يا إخوان، يا ولاد الحلال، اللي ضايع له ولد صغير عمره تلات سنوات، شعره أسود أو أقرع بعيون بنية، طويل/ قصير لابس قميص أصفر وبنطلون أسود وشحاطة زرقا.. يجي ياخده من جامع عقيل)

أو يعلن هكذا:

(يا إخوان، يا ولاد الحلال، يا سامعين الصوت، اللي لاقى لنا ولد –أو بنت– صغير عمره أربع سنين، اسمه كذا، لابس كنزة حمرا وبنطلون أزرق وكلاشة نسوانية زهرية، يجيبه على جامع عقيل، والأجر والثواب على الله). وأحيانًا يعلن عن مكافأة “حلوان” مرموقة، لمن يجد الولد الضايع بطلب ملح من الأهل، فقد جرت العادة على أن عبارة (الأجر والثواب على الله) تتضمن معنى مُضمرًا بوجود المكافأة المادية غير المعلنة، ولا بدّ من إعطاء الحلوان لمن يجد الولد في كل الأحوال، ولا يعجز أحد من الأهالي عن مكافأة من يجد لهم ولدهم الضائع، إلا “المنتوف ريشه وعايف التكنة..”

جميع أهل الحارة الفوقانية في السكري، غرب شارع “القادسية” الرئيسي، يعرفون أن الحاج نجيب لا يتدخل في السياسة، ولا تعنيه صراعات “الناصرية والبعثية” في شيء، ولا تدخل أو أذاع “البلاغ رقم واحد” ولا رقم ألف. ففي ذلك الزمان –أول سبعينيات القرن العشرين– كان ينشط أحد الرجال المسنين في الحي، ينتظرنا في مدخل الشارع الذي يسكن فيه غرب محل الحاج نجيب، يترصدنا من بعيد ويختبئ خلف زاوية الشارع، وما إن يلفّ أحدنا الكوع، حتى يهجم الختيار عليه هجوم الحرس، ويمسك به قائلًا: (كمشتك) ثم يبدأ بأخذ الاعتراف من الضحية بشكل ديمقراطي –تحت الضرب والدوس– بأنه ناصري للعظم والنخاع، ويحب جمال عبد الناصر أكثر من أمه وأبيه ومن بوظة “أبو الجود” المشهورة بلذتها، وكنا إذا استطعنا الإفلات من بين يديه، نحافظ على مسافة أمان كافية بيننا وبينه، استعدادًا للانتقام  منه؛ فنحاجره بالحصى، ونشتم عبد الناصر، ونقول له نحن نحب حزب البعث والبعثيين، ونكره الناصريين، قاصدين إغاظته.

الحاج نجيب لم يكن ليهتم بأمرنا وميولنا السياسية مثل ذاك الختيار الناصري، ولم يكن يعرف حزب البعث، لا حزب “ناصر”، ولا حزب “بكداش”، ولا بوظة “أبو الجود” أو بوظة “بكداش”، يعرف من الأحزاب سورة الأحزاب في القرآن الكريم فقط، ولا يعرف إلا مصلحته، ولا ينتمي إلا إلى حزب “دكانه” بمعناه الظاهر والمخفي؛ إذ يلمّح -أحيانًا- بخبث وقلة حياء، إلى المعنى المجازي لكلمة “الدكان” في إيحاءات جنسية بغيضة مع البنات، وكثيرًا ما تذهب بنات جيراني وعمي وإخوتي لتشتري من محله، تسأله إحداهن:

  • عندك بيض يا حجي؟
  • أي، عندي.
  • أعطني خمسة/ ستة من فضلك.
  • والله يا عين عمك مو بقيان عندي غير بيضتين!

تفكر البنت قليلًا ولا تنتبه لغمزه الوقح، فتطلب البيضتين منه، وحسبها لله، فيضحك الحاج نجيب ويجيب:

  • “ما بغدر أبيعك ياهن يا بنتي، بموت بعدين.”

حينها تدرك البنت مغزى كلامه الفاجر، وتقفل راجعة لاعنة الشيخ والبيض ومن يأكله.

****

في أحد الأيام، اختفى الحاج نجيب عن الأنظار، وأغلق دكانه رجال “المباحث” من المكتب الثاني.. قلنا نحن “الصغار” هذا بسبب “البيض الفاسد” وفساد أخلاقه، وفرحنا على جزائه العادل، لكن قيل في الحارة من قبل “الكبار” إن الحاج نجيب كان يملك إذاعة سرية ورقية، غير تلك الإذاعة الصوتية العلنية تبع الجامع، فهو شيخ شاطر في كتابة “الحجابات” وفكّ السحر وإخراج الجن من جسد الإنسان، وقد تبيّن لأحد “فاعلي الخير” المجهولين، أن الحاج نجيب –إضافة إلى كتابة الحجابات- يوزع منشورات ورقية للشيوعيين الكفرة، أتباع حزب “بكداش” على شكل صرر و”أقماع” للفستق والقضامة والدقّة، وكان يحرّض الأهالي المسالمين على شق عصا الطاعة.! وبمنشوراته عكّر صفو العيش السلمي في حينا الفقير، ففعل خيرًا بحقه وأبلغ الحكومة عنه في الحال، دهم رجال المباحث دكانه، وصادروا المنشورات، وأغلقوا محله بالشمع الأحمر، وأخذوه لمكان لا يعرفه الجن الأزرق.

بعد أن تأكد للضابط “المستنطق” أن هذا الشيخ –الحاج نجيب– بجبته وعمامته وشرواله لا يتعاطى السياسة ولا أي مخدر كان، وأن المنشورات المصادرة من محله ليست بخط يده الشبيه بالطلاسم و(خرابيش الجيج)، وعرف أن أحد أبناء طبقة البروليتاريا الكادحين العاملين في نجارة الباطون، قد سرقها من أبيه المناضل، وباعه إياها مع جملة ورق كتب ودفاتر، وأكياس مصنوعة من أكياس الإسمنت الورقية الفارغة للتعبئة والصرّ، كما قال الشيخ نجيب وأصرّ، وبعد أن تعهد الحاج نجيب لسيادة النقيب، بأن يكون عين الأمن الساهرة في الحارة، أطلق سراحه وأوعز للدورية بتوصيله إلى المحل، ونزع الأختام والشمع الأحمر، وإطلاق يده في كتابة ما يشاء من حجابات على ألّا يحجب شيئًا من المعلومات في تقاريره للحكومة.

من بعد ذلك اليوم، لم يعد الحاج نجيب يشتري من الأولاد الورق المطبوع، أو ورق الدفاتر المخطوطة، ولم يعد يخط شيئًا من الطلاسم في الحجابات، صار يتركها بيضاء فارغة، ويشتري منا الورق الأبيض فقط، أبيض كبياض البيض.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

إغلاق